فقد قال: (ذَهَبَ اللهُ بنُورهِمْ) ولم يقل:
ذهب نورهم . . لأن الذهاب المجرد ليس مثل أن يذهب الله به.
فنحن نلمس الفرق بين أن يقال: شرب الخمر حتى ذهب عقله.
وأن يقال: شرب الخمر حتى ذهبت الخمر بعقله.
فالعبارة الثانية أقوى من الأولى . لأن الخمر ذهبت بالعقل وانتبذت به مكاناً
قصياً . فهنا ذاهب ومذهوب به.
وكذلك: (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ) أقوى من أن يقال: ذهب نورهم.
ومنه قولهم فِي المبالغة: ذهبت به الخيلاء . وذهب السلطان بماله.
* عبارة تنبئ عن إحساس نفسي:
وفي المثل الثاني صور من المجاز ترجمت عن مشاعر الخوف والقلق والحيرة
عند المنافقين.
فهم لفرط فزعهم يجعلون أصابعهم فِي آذانهم . وهذه لقطة مثيرة للانتباه في
قصة هذا الفريق . والواقع أنهم جعلوا أطراف أصابعهم فِي آذانهم لأن الأذن
لا تتسع لجعل الأصابع فيها . وطريق هذا التعبير هو المجاز المرسل . وعلاقته
هنا الكلية لأن أطراف الأصابع جزؤها.
والسر البلاغي فيه أن قصف الرعد قد أطار أحلامهم . فأخذوا يتقونه بسد
الأذن حتى لا يسمعوه . وهم إزاء هذا القصف لم يكتفوا بوضع أطراف الأصابع.
بل كانوا يحاولون غرزها كلها فِي كل آذانهم اجتهاداً منهم ألا يسمعوه . وكان للصواعق المصاحبة للبرق والرعد أثر كبير فِي بلوغ خوفهم المدى.
ولم يكونوا يخافون خطراً يسيراً . وإنما كانوا يخافون الموت.
وقد جاء هذا المجاز فِي موضع آخر من القرآن حكاية قول عن نوح يشكو
قومه إلى ربه: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا(7) .
بَيْدَ أن المقام مختلف"فما فِي سورة البقرة كان المقام مقام خوف وفرار من"
الهلاك المتوقَع.
وقد بيَّن ذلك الخوف قوله تعالى: (منَ الصوَاعق حَذَرَ الموْتِ) .