اغترارهم بالهزء فيكون ذلك كالاستدراج من حيث لا يعلمون .
(وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ(15) .
مادة"مذ"تدور فِي المعاجم اللغوية حول معنى الزيادة والتكثير . . من مَدَّ
الجيش وأمدَّه: إذا زاده بما يقويه ويكثره.
ويقال: مدَّه الشيطان فِي الغي والضلال وأمدَّه: إذا واصله بالوساوس حتى يتصل غيه . ويزداد انهماكاً فِي المعاصي.
وإسناد المد إلى الله مجاز عقلي عند الزمخشري . . لأن فاعل المد عنده هو
الشيطان . وأسْنِدَ إلى الله لأنه سببه المقدر عليه.
وقد عدمنا فيما سبق وجهه عنده.
على أنه يجوز - عنده - أن يكون مجازاً عن عدم القسر والإلجاء وإن لم
يُصرِّحَ هو بمجازيته.
وقد أنكر الزمخشري أن يراد به الإمهال - وهو رأي المفسرين - وحُجَّته أنه
يعدى بنفسه إذا كان بمعنى الزيادة - كما فِي الآية - ويعدى بـ"اللام"إذا
كان بمعنى الإمهال . . قال:"فإن قلتَ: ما حملهم - يعني المفسرين - على"
تفسير المد فِي الطغيان بالإمهال وموضوع اللغة - كما ذكرت - لا يطاوع عليه ؟
قلت: استجرهم إلى ذلك خوف الإقدام على أن يسندوا إلى الله ما أسندوا إلى الشيطان ، ولكن المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته . .
وإلا كان بمنزلة الأروى من النعام . ومن حق مفسِّر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز أن يتعاهد فِي مذاهبه بقاء النظم على حسنه . والبلاغة على كمالها . وما وقع به التحدي سليماً من القادح.
فإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم
والبلاغة على مراحل"."
* المعاني التي أفادتها"مَدَّ"فِي القرآن:
والناظر فِي مواضع"مدَّ"فِي القرآن يخرج بالنتائج الآتية:
أولاً: أن هذه المادة يتجاذبها فيه جانبا حقيقة ومجاز.
فالحقيقة فِي نحو قوله تعالى: (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ)
إذ المراد بالسبب: الحبل ، والحبل يُمَد حقيقة.