3 -ومر معنا في هذه السورة قوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ وهاهنا يقص الله علينا ماذا فعل إبراهيم بالآلهة الأرضية، وماذا قال عنها، وإلى ماذا دعا أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ .. وحدثتنا الفقرة عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام فقالت وَكانُوا لَنا عابِدِينَ فالفقرة إذن تضرب الأمثلة لتوضح ولتعمق معاني قد ذكرت من قبل في السورة.
التفسير:
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ أي هداه مِنْ قَبْلُ أي من قبل موسى وهارون عليهما السلام أو من قبل محمد صلى الله عليه وسلم وَكُنَّا بِهِ أي بإبراهيم عليه السلام عالِمِينَ أنه أهل لذلك، أي علمنا أنه أهل لما آتيناه فآتيناه إياه
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ أي الأصنام المصورة على صور شتى الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ أي أنتم لأجل عبادتها مقيمون أي معتكفون على عبادتها، وفي سؤاله هذا تجاهل لفعلهم؛ ليحقر آلهتهم
مع علمه بتعظيمهم لها، وفي كلامه هذا نموذج على الرشد الذي أوتيه من صغره،
ولما كان في سؤاله معنى الإنكار عليهم، وفيه طلب معرفة الدليل على عبادتهم، كان جوابهم قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ أي فقلدناهم، عجزوا أن يحتجوا على شركهم إلا بصنيع الآباء،
ولذلك كان جوابه: قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أراد أن المقلدين والمقلدين منخرطون في سلك ضلال ظاهر، لا يخفى على عاقل، أي أنتم وهم في غير طريق مستقيم، فلما سفه أحلامهم، وضلل آباءهم، واحتقر آلهتهم
قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أي بالجد أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ أي أجاد أنت فيما تقول أم لاعب؟ استعظاما منهم إنكاره عليهم، واستبعادا لأن يكون ما هم عليه ضلالا، فعندئذ أقبل عليهم مخبرا بأنه جاد فيما قال، غير لاعب، مثبتا لربوبية الملك العلام، وحدوث الأصنام