قال في التفسير الكبير: زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزءاً من الثواب فهذا الأقل منحبط بالأكثر كما كان.
والآية تبطل قوله لأن الله تعالى تمدح بأن اليسير من الطاعة لا يسقط، ولو كان الأمر كما قاله الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة. قلت: للجبائي أن يقول: الإتيان بالطاعة مشروط عندي بعدم الإحباط كما أن العقاب على المعصية مشروط عندكم بعدم العفو. {وكفى بنا حاسبين} كقوله {وكفى بالله حسيباً} [النساء: 6] وحين فرغ من دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع في قصص الأنبياء تسلية لنبيه وتثبيتاً وعظة لأمته وتذكيراً، وقد مر قصة موسى إلا أنه أوجز فيها ههنا والموجز تقدمه الفصحاء غالباً، ولأن موسى أقوى حالاً ومعجزة، ولأن ذكر التوراة يناسب ما تقدم من قوله {قل إنما أنذركم بالوحي} وصف التوراة بأنها جامعة لكونها فرقانا يفرق به بين الحق والباطل، وقد مر سائر تفاسير الفرقان في أول البقرة {وضياء} كقوله {فيها هدى ونور} [المائدة: 44] {وذكراً للمتقين} أي شرفاً وموعظة، أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم وقوله {بالغيب} إما حال من الرب أي حال كونه غائباً عن حسهم والله لا يغيب عنه شيء فيكون كقوله صلى الله عليه وسلم"فإن لم تكن تراه فإنه يراك"وإما حال منهم أي حال كونهم غائبين عن عذاب الآخرة وأهوالها، أو غائبين عن الناس أي يخشون ربهم في الخلوات. ثم عظم شأن القرآن بقوله {وهذا ذكر مبارك} أي كثير البركة {أنزلناه أفأنتم له منكرون} أي أنتم دون سائر الناس مع علمكم بفصاحته وإعجازه تخصونه بالإنكار.
ولا يخفى ما فيه من التوبيخ للعرب ومن داناهم. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 5 صـ 12 - 24}