(ولا يستحسرون) أي لا يعيون ولا يتعبون مأخوذ من الحسير وهو البعير المنقطع بالإعياء والتعب يقال حسر البعير يحسر حسوراً أعيي وكَلُّ واستحسر؛ وتحسر مثله وحسرته انا حسراً يتعدى ولا يتعدى، قال أبو زيد: لا يَكِلون، وقال ابن الأعرابي: لا يفشلون، وقال ابن عباس: لا يرجعون، قال الزجاج: معنى الآية أن هؤلاء الذين ذكرتم أنهم أولاد الله عباد الله لا يأنفون عن عبادته ولا يتعظمون عنها، كقوله: (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته) وقيل: المعنى لا ينقطعون عن عبادته وهذه المعاني متقاربة.
(يسبحون الليل والنهار لا يفترون) أي ينزهون الله سبحانه دائماً لا يضعفون عن ذلك ولا يسامون، وقيل يصلون الليل والنهار، قال الزجاج: مجرى التسبيح منهم كمجرى النفس منا لا يشغلنا عن النفس شيء فكذلك تسبيحهم دائم أي ضروري فيهم سجية وطبيعة، وهذه الجملة إما مستأنفة وقعت جواباً عما نشأ مما قبله أو حالية.
(أم اتخذوا آلهة من الأرض) قال المفضل مقصود هذا الاستفهام الجحد أي لم يتخذوا آلهة تقدر على الإحياء والإيجاد من العدم، وأم هي المنقطعة والهمزة لإنكار الوقوع.
قال المبرد: أن أم هنا بمعنى هل. أي هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض يحيون الموتى؟ ولا يكون (أم) هنا بمعنى بل لأن ذلك يوجب لهم إنشاء الموتى إلا أن يقدر أم مع الاستفهام فتكون أم المنقطعة فيصح المعنى.
(هم ينشرون) أي يبعثون الموتى، والجملة مستأنفة أو صفة لآلهة وهذه الجملة هي التي يدور عليها الإنكار، والتجهيل لا نفس الاتخاذ فإنه واقع منهم لا محالة، والمعنى بل اتخذوا آلهة من الأرض لهم خاصة مع حقارتهم وينشرون الموتى وليس الأمر كذلك فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل عن ذلك وقرئ ينشرون من أنشره أي أحياه، وقرئ بفتح الياء أي يَحْيَوْن ولا يموتون ثم إن الله سبحانه أقام البرهان على بطلان تعدد الآلهة فقال: