فنحن في حجاب عن الكل، ونزيدك ههنا أن الوجود كله سلسلة واحدة تتجاذب أجزاؤها وترتبط حكمتها وأسرارها على وجه لا يحيط
به إلا الله الذي لا تتناهى كمالاته ولا تنحصر معلوماته ولا تفهم أسراره في مخلوقاته، لأنها مترابطة وغير متناهية، فلم يمكن إدراكها على التحقيق إلا له تعالى، والفعل الإلهي الذي أتقن بالعلم الإلهي كيف يمكن أن يصل إليه علم البشر القاصر الضعيف.
وإذا رأيت صنعة متقنة فلا يمكن أن تعرف كل ما فيها من الأسرار والدقائق حتى يصير علمك مثل علم صانعها، وإلا فهناك ما لم تعلمه، وعلمك إنما خلق على قدر أفعالك التي تراد منك لا على قدر أفعاله تعالى، فإن ذلك يعلو عن استعدداك ولا يناسب درجة علمك، ولكون أسرار الوجود يرتبط بعضها ببعض وهي غير متناعية كانت العلوم لا تقف عند حد أصلاً ولا تزال تخرج من شيء ويزداد الأول بالثاني وضوحاً لما بينها من المناسبة، والثاني بالثالث انكشافا، هكذا حتى يلوح للناظر في بعض الأوقات ذلك السر البديع وهو أن الأشياء مدبرة معاً وأنها ترجع إلى قانون واحد سار في كل المخلوقات.
يلوح له ذلك البقر قد قذف به في بحر لا ساحل له وعلوم لا نهاية لها، يتشابه موجها وتتوالى بروقها ثم تشرق عليه كواكبها فيعضى بصره تلك الأضواء ويدهش لبه من مظاهر تلك الحضرة القعساء، فبينما هو مبهوت في ذلك الملكوت إذ سمع صوتا كأنه سلسلة على صفوان وإذا بمناد ينادي من وراء حجب الجبروت: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ
كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا فلما تجلت له تلك العظمة صارجبل عقله دكاً وخر كل شيء فيه صعقا، فإذا أفاق من غشيته وتنبه من دهشته {قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} .
ثم أنشد:
دع الاعتراض فما الأمر لك ... ولا الحكم في دوران الفلك