وليس يغيب عنك سبب الخذلان الأبدي غبليس وأنه ليس إلا مما كان من اتهامه لحمكة الحكيم وجراءته على ربه العظيم ورجوعه إلى استحسانه لا إلى إيمانه وإيقانه وتعويله على قياسه الفاسد ونظره الكاسد.
ويمكنك أن تقول: أن المراد بالسؤال المنفي سؤال التسلط والاستيلاء فلا يسأله تعالى أحد بطريق الاستيلاء عليه، بخلافهم فإنهم يسألون عن كل ما يفعلون من قبله تعالى، فإنه الحاكم عليهم والمتصرف فيهم تصرف السيد في عبده والمالك في ملكه، فكأنه يقول: إن له العزة، ولكم الذلة.
فهذه احتمالات قريبة في الآية يمكنك أن تكتفي بها وتطمئن إليها.
ولا بأس أن نلفت نظرك بعد ذلك إلى أمر بديع: وهو أن من الحكمة أن تنظر في حال السائل الذي يطلبمنك الجواب قبل أن نجيبه حتى إذا كان يناسبه الجواب ولا يعلو عن استعداده أقررته على السؤال وشفيت غلته بما يريد من الجواب، وإذا كان لا يمكنه أن يفهمه وكان من علوم طبقة أخرى غير طبقته كان ذكره عبثا. وربما كان ضررا كبيرا عليه.
وقد عرفنا - صلى الله عليه وسلم - أنه"مَا مِن رَجُل يُحَدِّث قَوْما بِغَيْر مَا تَصِل إِلَيْه عُقُوْلَهُم إِلَا كَان فِتْنَة عَلَيْهِم"وقد قال الإمام مالك - رضي الله عنه - في حق من سأله عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}
ولو سألك ابنك الصغير عن مسألة عالية في العلم تتعلق بفروع كثيرة ولو ذكرتها له أضر ذلك يعقله أو عقيدته وكان كالمريض الذي يأكل الأطعمة الدسمة التي لا يستطيع هضمها، فليس من الحكمة أن تذكر له جواب تلك المسألة، بل من الحكمة أن لا تدعه يقرع باب السؤال في مثل ما سأل فيه.
ومن المعلوم أن فعل كل أحد يصدر منه على قدر علمه حتى أننا نستدل بإتقان الصنعة وحسن تنميقها على مزيد علم الصانع.
فإذا فعله تعالى على قدر علمه، وعلمه على قدر ذاته، وذاته تحيط بها العقول، فكذلك علمه، فكذلك فعله.