يغضى حياءً ويغضى من مهابته ... فلا يكلم إلا حين يبتسم
وقال بعض المدنيين في مالك - رضي الله عنه -:
يدع الجواب فلا يراجع هيبة ... والحاضرون نواكس الأذقان
إلى غير ذلك فما بالك برب الأرباب، ومالك الأرقاب، كيف يختلج في نفس عبده خاطر وقد علم أنه أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين.
ورب العالمين يستحيل عليه العبث والخطأ ويتنزه عن كل نقص ويجب له كل كمال. قال بعض الأجلاء: (كيف يستغرب ذلك وفي القوانين الحربية أنه لا يباح للمأمور أن يتباطأ في امتثال الأمر. وأنه لو قال له لم؟ لكان جوابه إطلال دمه) وليس معنى ذلك أن القائد يفعل ما يشاء على ما يقتضيه العبث أو تشير به الأهواء بل لمعان أخرى ووجوه يجب أن تعتبر في الحكمة وواجبات المقام.
ويمكننا أن نقول بعبارة أخرى: 'ن هذا يراد يه تعليمنا حسن الأدب مع الله تعالى حتى نقلده في كل شيء، فنطمئن في كل ما يأمر ونذعن لكل ما يريد فنعمل الأعمال كلها بالإذعان والاطمئنان، وإذا تربت فينا تلك الملكة فسارعنا إلى الامتثال ولم نتباطأ فيما
يأمرنا به من الأعمال، سعدنا سعادة كبرى وكنا كالأطفال الذين وثقوا بأبيهم الحكيم وعلموا أنه لا يريد بهم إلا الخير، وقد عمل هو على تمكين ذلك من نفوسهم فأصبحوا"لا يبحثون وراءه عن شيء، عالمين حسن نيته وبعد حكمته ومزيد رحمته، فليس هناك شك يعوقهم عما يريد منهم، ولا بحث يؤخرهم عن استفراغ همهم وأوقاتهم فيما ينويه من سعادتهم، ولو أنه أرجعهم إلى البحث عن أسرار الأمرو وخفايا المقاصد ودخائل الأشياء لكان قد أعدهم لقلق النفوس وحرج الصدور والتباطؤ في بعض الأعمال تارة والامتناع عنها تارة أخرى، فكان من مصلحهم وموجبات سعادتهم أن يربيهم على أن لا يراجعوه فيما يأمر ولا يسألوه عما يريد إلا إذا تبرع هو - وله النظر الأعلى - ببيان الحكمة، وإلا فهو أعلم منهم وأرحم بهم عالماً أن في هذا قضاء حقه وحقهم معاً."