أقدم لك ههنا في بيان من الآية ما يقرب تناوله ويطيب جناه ثم نتبعه يشرح ذلك السر الذي نوهنا عنه إن شاء الله.
يمنكك أن تقول: إن المراد تقرير كونه تعالى حكيماً بالغ الحكمة
فلا يسأل عما يفعل، ثقة بحكمته بحيث لا يصح أن يرتاب فيما يفعل ولا يتهم فيما يحكم، فإن قولك لم فعلت يشعر بتهمة وريبة، فيريد الحق تعالى أن يكون عبده ممتلئ القلب بالعلم بحكمته، فائض النفس باعتقاد رحمته، فيكون غارقاً في التسليم له والتفويض إليه، فلا تتحرك نفسه مع تلك العقيدة بسؤال ولا يلم بها أدنى خيال:
يا حاكمى وحكيمى ... أفعالك الكل حكمة
وكان كثيراً ما يقول بعذ العارفين: (إذا كنت لا تعرف الحكمة فقلد من يعرف الحكمة) .
وكم رمت أمراً خرت لي في انصرافه ... فلازلت بي منى أبر وأَرحما
أو تقول: إن المراد تقرير العظمة، وأن الإلهية بحيث يجب لنعوتها أن لا يجرؤ على سؤالها أحد لا من حيث أنها تعمل عمل المستبدين من السفهاء وأرباب الأهواء، بل من حيث إنه يجب لعظمتها التلاشي والإضمحلال والقيام بأجل العبودية.
أما تراك - أيدك الله - تستقبح من عبدك بل خادمك يسألك عن وجه ما فعلت وسر ما قضيت، وتعتبر ذلك من سمات عدم الوثوق بك أو الجراءة عليك أو الريبة فيك أو عدم الحياء منك، وأن واجب العبودية الانقياد والامتثال، ثقة بحكمتم وبعد نظرك وقياماً بما يجب لعظمتك وسيادتك، وأنه أقل من أن يفتش على ما تنويه أو يراقب ما تقضيه، بل يجب عليه بعد هذا الامتثال الظاهري أن
يكون خاضع القلب مطمئن النفس هادئ السر، علماً بما لك من صفات الكمال التي لا يبلغ نظره مداها ويحسر بصره دون غايتها؟
وقد قيل في (عيينة بن حصن الفزارى) : إنه إذا فزع بسيفه فزع معه مائة ألف سيف لا يسألونه عما دعاه إلى ذلك. أفترى هذا إلا قياماً بواجب عظمته، أو ثقة برأيه وبعد نظره؟ ولا تزال العرب تمدح بمثل ذلك، وقد قال الفرزدق في زين العابدين - رضي الله عنه - مادحاً له: