[وما كفر المانوية والثانوية إلا بخوضهم في مثل ذلك] فلما حكموا عقولهم الضعيفة وآراءهم الفاسدة قالوا: إن للعالم إلهيم: إلهاً للخير وإلهاً للشر، لأن إله الخير لا يكون مصدرا للشر، وإله الشر لا يكون محلاً للخير، وقد غفلوا عن أن الحكمة الألهية لا يحيط بها محيط وأن الشر قد يستتبع الخير، وقد يكون وجود الشر الجزئي واجباً في نظر الحكمة وأن المراعي في ذلك هو النظام العام لا خصوص الأشخاص وأعيان الجزئيات، ولم يفطنوا إلى كمون الشر في الخير ولا إلى أن الشر قد يكون شراً في نظرهم لا في الواقع {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
هذا واعلم أن تفسير العلماء خصوصاً الأشاعرة في هذه الآية يرجع إلى أن المالك يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولابد أن يدور بنفسك عندما تسمع ذلك حديث طويل وإن كنت لا تجرؤ على إظهاره فتسكت أمامهم مقتنعاً بما حدثوك به فيما يظهر منك، وأما باطنك فيكون فيه من المحاورات والمنازعات ما لا تطمئن معه نفسك ولا يسكن له جأشك، وقد قال لي بعض العصريين: هذا يمكن أن يكون جواباً عن الملوك المستبدين وما يفعلونه مع رعاياهم، فأرشدته إلى ما اقتنع به واستحسنه جداً، وإنه لحسن فيما أراه، والفضل لله.
وإني أعلم أنك تارى يشرق قلبك بما يفاض عليه من نور سماء روحك فتعجب به كل الإعجاب، وتارة تنزل إلى أرض طبيعتك الكثيفة التي يمكن دوائرها أن تمسك تلك المعاني السيالة ولا يتأتى أن تنتقش تلك العلوم اللطيفة في تلك الأرض الكثيفة، ولا أن يزن ميزان أحجارها تلك الأسرار لمزيد رقتها، وعند ذلك يلزمك أن لا تذهب إلى تلك الأرض إلا وبيدك معول البراهين الكثيفة حتى تستطيع أن تؤثر في أحجارها أيدك الله.
ذكر احتمالات قريبة في الآية: