فلا تسأل الله عن فعله ... فمن خاض لجة بحر هلك
فعلم إذ ذاك أنه وصل إلى سدرة المنتهى وأنه لو تقدم أنملة لغرق في لحار الأنهار واحترق بسبحات الواحد القهار فقال لنفسه:"ليس وراء عبادان قرية"فههنا ينتهي علم الملائكة المقربين وأرواح الصالحين من المؤمنين فرجع أدراجه يكوي السماء طيا، وقد عزم أن ينتبذ من أهل بيئته مكاناً شرقيا، وعلم أنهم إنما ينظرون إلى الحلقة الأخيرة من سلسلة الوجود، وإن تخطوها فإلي حد محدود، يقف بصرهم الكليل وعقلهم الضئيل فينقطعون أثناء الطريق لا محالة {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}
ثم لا يزال ذلك الروحاني الكريم ينزل من سماء إلى سماء ويشاهد من عوالم الملك والملكوت ما يعرف وما لا يعرف حتى إذا صار بين الروح والجسد يريد أن يقرع باب الفؤاد إلى ما بين سماء المعاني وأرض المجسوسات فوجد تلك الآية مكتوبة وسط الهواء بحروف من نور تمتد صاعدة
إلى السماء ونازلة إلى قرار الماء: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} فأدهشه ما رآه وعرف أن الأمر كله لله.
ثم وجد نفسه تشتاق إلى عالم الكثافة عندما كاد يقضى عليها جمال عالم اللطافة، فاشتد في قرع باب الفؤاد ودخل في سجن عالم الأجساد وقد اضمحل وتلاشى، ثم رجع إلى حده من العلم ومركزه من الفهم فوقف عند الظواهر وما تعداها، بل اقتنع بما وصل إليه من رشاش ذلك البحر وقد نقش على صفحات قلبه ذلك الخطاب الإلهي: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} .
الخلاصة: