فالخلاصة أن الآية مسوقة لبيان عظمة الألوهية في سعة علمها وعدم تناهي أسرارها، وأن ذلك يعلو عن حد الإدراك ويرتفع عن متناول الطاقة البشرية، فإن للإلهية شأناً آخر لا تدركه العقول ولا تصل إليه الأفهام، فإنها مقصورة على إدراك شؤون الحوادث التي تماثلها ولا تتعداها إلى شؤون الربوبية، فذلك يتوقف على تناسب في الصفات وتماثل في الكمالات، وإن نسبة علمك إلى علمه كنسبة قدرتك إلى قدرته، ونسبة ذاتك إلى ذاته، فله في كل شيء من باطن العلم وسر، والسر ما ليس لنبي مرسل ولا ملك مقرب مما يناسبه ويكون على قدره وهو الكبير المتعال.
فليس لك من العلم بالأشياء إلا درجة تناسبك وتقف بك عند ظاهرها، وفوق درجتك من فوقك من الخواص، إلى أن تصل إلى درجة في العلم مختصة به تعالى تناسب الإلهية لا يشاركه فيها أحد {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} وهو من لوازم الإلهية التي تجب لها الوحدانية في كل شيء.
وقد نهينا عن الخوض في سر القلب علماً منه - صلى الله عليه وسلم - بأن النفوس لا تقف عند الظاهر بالنسبة إليه، ولا تزال تتطلع للوقوف على باطن الأمر فيه، وهي لا تطيقه لأنه فوق رتبتها، فوقفها عليه السلام عند حدهل وحظر عليها أن تسير في تلك الغياهب لئلا تضل ضلالاً مبيناً.
وقد خلقت العقول على حد محدود كالحواس، فكما لا يصح أن تجهد بصرك كي يرى الهواء الذي يدق ويلطف عن رؤية الأبصار. كذلك لا يصح أن تطمع في أن تكتنه أسرار الأفعال الإلهية كما هي لدى الحضرة العلية.
فسره فيما يقتضيه وحكمته فيما يفعله على الوجه التام مما يختص بالألوهية، فلابد أن تعرف قدرك ولا تتعدى طورك:
من أنت يارسطو ومن ... أفلاط قبلك قد تفرد
ومن ابن سينا حيث هذ ... ب ما أتيت به وشيد
ما أنتمو إلا الفرا ... ش رأى السراج وقد توقد
فدنا فأحرق نفسه ... ولو اهتدى رشدا لأبعد