* إِنَّمَا قَالَ كانَتا رَتْقًا وَلَمْ يَقُلْ كُنَّ رَتْقًا لِأَنَّ السماوات لَفْظُ الْجَمْعِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ الدَّالُّ عَلَى الجنس، قال الأخفش: السماوات نَوْعٌ وَالْأَرْضُ نَوْعٌ، وَمِثْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا) [فَاطِرٍ: 41] وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ أَصْلَحْنَا بَيْنَ الْقَوْمَيْنِ، وَمَرَّتْ بِنَا غَنَمَانِ أَسْوَدَانِ، لِأَنَّ هَذَا الْقَطِيعَ غَنَمٌ وَذَلِكَ غَنَمٌ.
(وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ(30)
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فَقَالَ بَعْضُهُمُ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: (كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) الْحَيَوَانُ فَقَطْ، وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ النَّبَاتُ وَالشَّجَرُ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَاءِ صَارَ نَامِيًا وَصَارَ فِيهِ الرُّطُوبَةُ وَالْخُضْرَةُ وَالنُّورُ وَالثَّمَرُ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَلْيَقُ بِالْمَعْنَى الْمَقْصُودِ، كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَفَتَقْنَا السَّمَاءَ لِإِنْزَالِ الْمَطَرِ وَجَعَلْنَا مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ مِنَ النَّبَاتِ وَغَيْرِهِ حَيًّا، حُجَّةُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ النَّبَاتَ لَا يُسَمَّى حَيًّا؟
قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قوله تَعَالَى: (كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) .
(خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ(37)
«فَإِنْ قِيلَ» : مُقَدِّمَةُ الْكَلَامِ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مُنَاسِبَةً لِلْكَلَامِ، وَكَوْنُ الْإِنْسَانِ مَخْلُوقًا مِنَ الْعَجَلِ يُنَاسِبُ كَوْنَهُ مَعْذُورًا فِيهِ فَلِمَ رَتَّبَ عَلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ قَوْلَهُ: (فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) ؟
قُلْنَا: لِأَنَّ الْعَائِقَ كُلَّمَا كَانَ أَشَدَّ، كَانَتِ الْقُدْرَةُ عليه مُخَالَفَتِهِ أَكْمَلَ، فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ نَبَّهَ بِهَذَا عَلَى أَنَّ تَرْكَ الِاسْتِعْجَالِ حَالَةٌ شَرِيفَةٌ عَالِيَةٌ مَرْغُوبٌ فِيهَا.
(وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ(38)
لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْقَوْمُ اسْتَعْجَلُوا الْوَعْدَ عَلَى وَجْهِ التَّكْذِيبِ وَمَنْ هَذَا حَالُهُ لَا يَكُونُ مُسْتَعْجِلًا عَلَى الْحَقِيقَةِ؟