أن الآية فيها في نفسها أعظم آيةً لأنها مُمْسَكة بقدرته عزَّ وجلَّ، وقد يقال
للذي ينتظم علامات كثيرةً آية، يراد به أنه بجملته دليل على توحيد اللَّه
عزَّ وجلَّ.
وقوله: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(33)
(كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) .
قيل يسبحون كما يقال لما يعقل، لأن هذه الأشياء وصفت بالفعل كما
يوصف مَنْ يعقل، كما قالت العرب - في رواية جميع النحويين - أكلوني
البراغيث لما وصفت بالأكل قيل أكلوني.
قال الشاعر:
شربت بها والدِّيكُ يَدْعُو صَباحَهُ... إِذا ما بَنُو نَعْشٍ دَنَوْا فتَصَوَّبُوا
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ(34)
(أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) .
يُقْرأ مُتَّ بضم الميم، ومِتَّ بكسرها، وأكثر القُراء بِالضم.
وقد فسرنا ما في هذا الباب.
والفاء دخلت عَلَى"إنْ"جوابَ الجزاء، كما تدخل في قولك: إنْ
زُرْتني فأنا أخوك، ودخلت الفَاءُ على"هم"لأنها جواب (إنْ) .
وقوله: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ(36)
(أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ)
(هذا) على إضمار الحكاية، المعنى وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا يقولون أهذا الذي يَذْكُرُ آلهتكم.
والمعنى أهذا الذي يعيب آلهتكم يقال فلان يَذْكُرُ الناس أي يغْتَابُهُمْ ويَذْكُرُهُمْ بالعُيوبِ، ويقال فلان يذكر اللَّه، أي يصفه بالعظمة، وُيثْنِي عليه وُيوَحِّدُه. وإنما يحذف مع الذكر ما عُقِلَ معناه.
قال الشاعر:
لا تذكري فرسي وما أطعمته... فيكون لَوْنُكِ مثل لون الأجْرَبِ