وقرأ الحسن، وقتادة، وأبو جعفر، وأبو رجاء، والكلبي: {لنحرقنه} بضم النون وسكون الحاء وتخفيف الراء، من أحرقه يحرقه رباعيًا، وقرأ علي، وابن عباس، وحميد، وأبو جعفر - في رواية - وعمرو بن فائد، وابن محيصن، وأشهب والعقيلي: {لنحرقنه} بفتح النون وضم الراء مخففةً، من حرقت الشيء: أحرقه وأحرقه بضم راء المضارع وكسرها، إذا بردته، وحككت بعضه ببعض, أي: لنبردنه بالمبارد، ويقال للمبرد: المحرق، والقراءة الأولى أولى، ومعناها الإحراق بالنار، وكذلك معنى القراءة الثانية؛ لأن الظاهر أن حرق وأحرق إنما يكون بالنار، وقد جُمع بين هذه القراءات الثلاث بأنه أحرق بالنار أولًا، ثم برد بالمبرد، وفي مصحف أُبي، وابن مسعود {لنذبحنه ثم لنحرقنه ثم لننسفنه} وتوافق هذه القراءة من روى أنه صار لحمًا ودمًا ذا روح، ويترتب الإحراق بالنار على هذا، وأما إذا كان جمادًا مصوغًا من العلي فيترتب برده لا إحراقه، إلا إن عني به إذابته، وقال السدي: أمر موسى بذبح العجل، فذُبح وسال منه الدم، ثم أُحرق ونُسف رماده، وقيل: بردت عظامه بالمبرد، حتى صارت بحيث يمكن نسفها. {ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ} ؛ أي: لنذرينه في هواء البحر، ونرمينه {نَسْفًا} ؛ أي: ذروا ورميًا إذا كان رمادًا أو مبرودًا، بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر، حتى صار سحالةً كذرات الهباء، يقال: نسفت الريح التراب إذا أقلعته وأزالته، وذرته، والنسف: نقض الشيء ليذهب به الريح، والمنسف: ما يُنسف به الطعام، وهو شيء منصوب الصدر، أعلاه مرتفع، والنَّسَافة: ما يسقط منه.
وقرأ الجمهور: {لَنَنْسِفَنَّهُ} بكسر السين، وقرأت فرقة - منهم عيسى -: بضم السين، وقرأ ابن مقسم: {لننسفنه} بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد السين، ولقد بر موسى في قسمه، وفعل ما أوعده به، كما يدل على ذلك قوله: {وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِك} ولم يصرح بهذا تنبيهًا إلى وضوحه واستحالة خلفه في وعيده المؤكد باليمين، وفي فعله ذلك به عقوبة للسامري، وإظهار لغباوة المفتونين به، لمن له أدنى نظر. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 17/ 401 - 410} ...