وما أشبهَ هذا الموقف بما يحدث لشاب متفوق مستقيم يُغريه أهل الباطل ، ويجذبونه إلى طريقهم ، وبعد أن انخرط في سِلْكهم وذاق لذة باطلهم وضلالهم إذَا به يصحو على صدمة الحق التي تُفيقه ، ولكن بعد أن خسر الكثير ، فتراه بعد ذلك يفِرُّ من هذه الصُّحْبة وينأى بنفسه عن مجرد الاقتراب منهم .
لذلك من الذين اختاروا دينهم وَفْق أهوائهم عبدة الأصنام ، فإن كانت العبادة أنْ يطيع العابدُ معبوده ، فما أيسرَ عبادة الأصنام ؛ لأنها آلهة بدون تكليف ، وعبادة بدون مشقة ، لا تقيد لك حركة ، ولا تمنعك من شهوة ، وإلا فماذا أعدَّتْ الأصنام من ثواب لمَنْ عبدها؟ وماذا أعدَّتْ من عذاب لمن كفر بها .
فكأن الحق تبارك وتعالى قال للسامري: ستُعاقب بنفس المجتمع الذي كنت تريد منه العِزّة والسُّلْطة والسيطرة والذكر ، فتتبرأ أنت منهم وتفرّ من جوارهم ، ولا تتحمل أنْ يمسَّك أحد منهم ، فهم سبب بلائك ، ومصدر فتنتك ، كما قال تعالى: {الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين} [الزخرف: 67] .
فأخلاءُ الباطل ، وصُحْبَة السوء الذين يجتمعون على معصية الله في سهرات مُحرَّمة عليهم أنْ يحذروا هذا اللقاء . أما الخُلّة الحقيقية الصادقة فهي للمتقين ، الذين يأتمرون بالحق ، ويتواصَوْن بطاعة الله .
وفَرْق بين مَنْ يقاسمك الكأس ومَنْ يكسرها ويُريقها قبل أنْ تذوقها ، فَرْق بين مَنْ يلهيك عن الصلاة ومَنْ يحثُّك عليها ، فَرْق بين مَنْ يُسعِدك الآن بمعصية ومَنْ يحملك على مشقّة الطاعة ، فانظر وتأمَّلْ .
ثم يقول: {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ} [طه: 97] أي: ما ينتظرك من عذاب الآخرة .
{وانظر إلى إلهك الذي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي اليم نَسْفاً} [طه: 97] .
(عَاكِفاً) أي: مقيماً على عبادته ، والاعتكاف: الإقامة في المسجد ، والانقطاع عن المجتمع الخارجي .