فقوله: {مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضلوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 9293] أي: من اتباعي ، لكن هل موسى عليه السلام هنا يستفهم؟ الحقيقة أنه لا يريد الاستفهام ، فقد تخاطب إنساناً بذنب ، وأنت لا تعلم ذنبه ، إنما تخاطبه بصورة الذَّنْب لتسمع الردَّ منه ، فيكون رَدًَاً على مَنْ يعترض عليه .
ومن ذلك ما كان من سيدنا عمر رضي الله عنه عند الحجر الأسود ، فلما قَبَّله قال:"اللهم إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أنِّي رأيت رسول الله يُقبِّلك ما قبَّلتُك".
إذن: قبّله عمر ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَّله ، إلا أنه جاء بهذا الكلام ليعطينا الجواب المستمر على مَرِّ التاريخ لكل مَنْ يسأل عن تقبيل الحجر .
وهنا أثارها موسى شبهة ؛ كي نسمع نحن الجواب ، ولنسمع الردّ من صاحب الشأن باقياً سائراً في طول الأزمان.
{قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي}
إذن: صاحبَ خطابَ موسى لأخيه هارون فعْل نزوعيٌّ وحركة ، فهمناها من قول هارون: {يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} [طه: 94] .
ثم ذكر العلة {إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 94] يقصد قول أخيه: {اخلفني فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين} [الأعراف: 142] .
فذكّره بالتفويض الذي أعطاه إياه . وقد اجتهد هارون حَسْب رؤيته للموقف ، ونأى بالقوم عن معركة ربما انتهتْ بالقضاء على خَِلِية الإيمان في بني إسرائيل ، اجتهد في إطار {وَأَصْلِحْ} [الأعراف: 142] .
إذن: أثار موسى هذه القضية مع أخيه ، لا ليسمع هو الرد ، وإنما ليُسمع الدنيا كلّها على مَرِّ التاريخ .
ثم ينقل موسى الخطاب إلى رأس هذه الفتنة: {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يا سامري}
أي: ما شأنك؟ وما قصتك؟