قوله تعالى: {قَالَ فاذهب} أي قال له موسى فاذهب أي من بيننا {فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} أي لا أُمسّ ولا أَمسّ طول الحياة.
فنفاه موسى عن قومه وأمر بني إسرائيل ألاّ يخالطوه ولا يَقربوه ولا يكلّموه عقوبة له والله أعلم.
قال الشاعر:
تَميمٌ كرهط السّامريّ وقوله ...
ألاَ لا يريدُ السامريّ مِساسَا
قال الحسن: جعل الله عقوبة السامريّ ألا يماسّ الناس ولا يماسّوه عقوبة له ولمن كان منه إلى يوم القيامة ؛ وكأن الله عز وجل شدّد عليه المحنة ، بأن جعله لا يماسّ أحداً ولا يمكّن من أن يمسّه أحد ، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا.
ويقال: ابتلي بالوسواس ؛ وأصل الوسواس من ذلك الوقت.
وقال قتادة: بقاياهم إلى اليوم يقولون ذلك لا مساس وإن مسّ واحد من غيرهم أحدا منهم حُمَّ كلاهما في الوقت.
ويقال: إن موسى هَمَّ بقتل السامريّ ، فقال الله تعالى له: لا تقتله فإنه سخيّ.
ويقال لما قال له موسى: {فاذهب فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} خاف فهرب فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحش ، لا يجد أحداً من الناس يمسه حتى صار كالقائل لا مساس ؛ لبعده عن الناس وبعد الناس عنه ؛ كما قال الشاعر:
حَمَّالُ راياتٍ بها قَنَاعِسَا ...
حتى تقولَ الأزدُ لا مسابسَا
مسألة: هذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وألا يخالطوا ، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بكعب بن مالك والثلاثة الذين خُلّفوا.
ومن التجأ إلى الحرم وعليه قَتلٌ لا يُقتَل عند بعض الفقهاء ، ولكن لا يعامل ولا يبايع ولا يشارى ، وهو إرهاق إلى الخروج.
ومن هذا القبيل التغريب في حدّ الزنى ، وقد تقدم جميع هذا كله في موضعه ، فلا معنى لإعادته.
والحمد لله وحده.
وقال هارون القارئ: ولغة العرب لا مَساسِ بكسر السين وفتح الميم ، وقد تكلم النحويون فيه ؛ فقال سيبويه: هو مبني على الكسر كما يقال اضربِ الرجل.