وحين تنظر إلى تقييد الشرع لشهواتك ، فلا تنسَ أنه قيَّد غيرك أيضاً بنفس المنهج وبنفس التكاليف . فحين يقول لك: لا تنظر إلى محارم الناس وأنت فرد فهو في نفس الأمر يكون قد أمر الناس جميعاً ألاّ ينظروا إلى حرماتك .
وهكذا جعل الخالق عز وجل آلة العقل هذه ، لا لنعربد بها في الكون ، إنما لنضبط بها الغرائز والسلوك ، ونحرسها من شراسة الأهواء ، فيعتدل المجتمع ويسْلَم أفراده .
وإلاَّ فإذا سمحتَ لنفسك بالسرقة ، فاسمح للآخرين بالسرقة منك!! إذن: فمن مصلحتك أنت أنْ يوجد تقنين ينهاك ، ومنهج يُنظِّم حياتك وحياة الآخرين .
والحق سبحانه يقول: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ}
نلحظ هنا أن موسى عليه السلام يعرض على فرعون قضايا لا تخصُّ فرعون وحده ، إنما تمنع أنْ يوجد فرعون آخر .
وقوله: {مِنْهَا} [طه: 55] أي: من الأرض التي سبق أنْ قال عنها: {الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً} [طه: 53] .
ثم ذكر لنا مع الأرض مراحل ثلاث: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى} [طه: 55] .
وفي آية أخرى يذكر مرحلة رابعة ، فيقول: {فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} [الأعراف: 25] .
بذلك تكون المراحل أربعة: منها خلقناكم ، وفيها تحيَوْن ، وإليها تُرجعون بالموت ، ومنها نُخرجكم بالبعث .
فقوله تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} [طه: 55] الخلْق قِسْمان: خَلْق أولي ، وخَلْق ثانوي ، الخلق الأَوليّ في أدم عليه السلام ، وقد خُلِق من الطين أي: من الأرض . ثم الخَلْق الثاني ، وجاء من التناسل ، وإذا كان الخَلْق الأَوْلي من طين ، فكل ما ينشأ عنه يُعَدّ كذلك ؛ لأنه الأصل الأول .