وَمن أَبى إِلَّا تَدْبيره لنَفسِهِ وَقع فِي النكد وَالنّصب وَسُوء الْحَال والتعب فَلَا عَيْش يصفو وَلَا قلب يفرح وَلَا عمل يزكو وَلَا أمل يقوم وَلَا رَاحَة تدوم وَالله سُبْحَانَهُ سهّل لخلقه السَّبِيل إِلَيْهِ وحجبهم عَنهُ بِالتَّدْبِيرِ فَمن رَضِي بتدبير الله لَهُ وَسكن إِلَى اخْتِيَاره وسلّم لحكمه أَزَال ذَلِك الْحجاب فأفضى الْقلب إِلَى ربه وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ وَسكن المتَوَكل لَا يسْأَل غير الله، وَلَا يرد على الله وَلَا يدّخر مَعَ الله من شغل بِنَفسِهِ شغل عَن غَيره، وَمن شغل بربه شغل عَن نَفسه.
[فَصْلٌ: الْقَلَقُ]
وَقَدْ يَقْوَى هَذَا الشَّوْقُ، وَيَتَجَرَّدُ عَنِ الصَّبْرِ. فَيُسَمَّى قَلَقًا وَبِذَلِكَ سَمَّاهُ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى - حَاكِيًا عَنْ كَلِيمِهِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}
فَكَأَنَّهُ فَهِمَ: أَنَّ عَجَلَتَهُ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَيْهَا الْقَلَقُ. وَهُوَ تَجْرِيدُ الشَّوْقِ لِلِقَائِهِ وَمِيعَادِهِ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ: أَنَّ الْحَامِلَ لِمُوسَى عَلَى الْعَجَلَةِ: هُوَ طَلَبُ رِضَا رَبِّهِ، وَأَنَّ رِضَاهُ فِي الْمُبَادَرَةِ إِلَى أَوَامِرِهِ، وَالْعَجَلَةِ إِلَيْهَا.
وَلِهَذَا احْتَجَّ السَّلَفُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ. سَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ يَذْكُرُ ذَلِكَ.
قَالَ: إِنَّ رِضَا الرَّبِّ فِي الْعَجَلَةِ إِلَى أَوَامِرِهِ.
ثُمَّ حَدَّهُ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ بِأَنَّهُ تَجْرِيدُ الشَّوْقِ بِإِسْقَاطِ الصَّبْرِ أَيْ تَخَلُّصِهِ مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ بِحَيْثُ يَسْقُطُ مَعَهُ الصَّبْرُ، فَإِنْ قَارَنَهُ اصْطِبَارٌ فَهُوَ شَوْقٌ. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...