جئت في الوقت الذي قدرته لمجيئك.. {واصطنعتك لنفسي} خالصاً مستخلصاً ممحضاً لي ولرسالتي ودعوتي.. ليس بك شيء من هذه الدنيا ولا لهذه الدنيا. إنما أنت للمهمة التي صنعتك على عيني لها واصطنعتك لتؤديها. فما لك في نفسك شيء. وما لأهلك منك شيء ، وما لأحد فيك شيء. فامض لما اصطنعتك له:
{اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري. اذهبا إلى فرعون إنه طغى. فقولا له: قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى} ..
اذهب أنت وأخوك مزودين بآياتي وقد شهد منها آية العصا وآية اليد ولا تنيا في ذكري فهو عدتكما وسلاحكما وسندكما الذي تأويان منه إلى ركن شديد.. اذهبا إلى فرعون. وقد حفظتك من شره من قبل. وأنت طفل وقد قذفت في التابوت ، فقذف التابوت في اليم ، فألقاه اليم بالساحل ، فلم تضرك هذه الخشونة ، ولم تؤذك هذه المخاوف. فالآن أنت معد مهيأ ، ومعك أخوك.
فلا عليك وقد نجوت مما هو أشد ، في ظروف أسوأ وأعنف.
اذهبا إلى فرعون فقد طغى وتجبر وعتا {فقولا له قولاً ليناً} فالقول اللين لا يثير العزة بالإثم ؛ ولا يهيج الكبرياء الزائف الذي يعيش به الطغاة. ومن شأنه أن يوقظ القلب فيتذكر ويخشى عاقبة الطغيان.
اذهبا إليه غير يائسين من هدايته ، راجيين أن يتذكر ويخشى. فالداعية الذي ييأس من اهتداء أحد بدعوته لا يبلغها بحرارة ، ولا يثبت عليها في وجه الجحود والإنكار.
وإن الله ليعلم ما يكون من فرعون. ولكن الأخذ بالأسباب في الدعوات وغيرها لا بد منه. والله يحاسب الناس على ما يقع منهم بعد أن يقع في عالمهم. وهو عالم بأنه سيكون. فعلمه تعالى بمستقيل الحوادث كعلمه بالحاضر منها والماضي في درجة سواء.
وإلى هنا كان الخطاب لموسى عليه السلام وكان المشهد هو مشهد المناجاة في الفلاة. وهنا يطوي السياق المسافات والأبعاد والأزمان ، فإذا هارون مع موسى. وإذا هما معاً يكشفان لربهما عن خوفهما من مواجهة فرعون ، ومن التسرع في أذاه ، ومن طغيانه إذا دعواه: