قال: فإني أسألك حاجة أخرى، لا أسألك غيرها.
قال: ما هي؟ قال: أحب أن تريني الجنة.
قال: ما لي من ذلك شيء، ولكن سأطلب لك فإن قدرت عليه فعلت.
فانطلق به إلى خزنة الجنة، فدق باباً من أبوابها فقيل: من هذا؟ فقال: أنا ملك الموت.
فقالوا: مرحباً بأمين الله عز وجل، هل أمرت فينا بشيء؟ فقال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم، ولكن هذا إدريس سألني أن أريه الجنة فأحب أن تروها إياه.
قال: ففتح له الباب فدخل فنظر إلى شيء لم ينظر مثله قط، فطاف فيها ساعة ثم قال له ملك الموت: انطلق بنا فلنخرج.
فانطلق إلى شجرة فتعلق بها ثم قال: والله لا أخرج، حتى يكون الله عز وجل هو الذي يخرجني.
فقال ملك الموت: إنه ليس حينها ولا زمانها، ولكن طلبت إليهم لترى، فانطلق بنا.
فأبى عليه فقبض الله ملكاً من الملائكة فقال له ملك الموت: اجعل هذا الملك حكماً بيني وبينك؟ قال: نعم.
قال الملك: ما هو يا ملك الموت؟ فأخبره بالقصة، ثم نظر الملك إلى إدريس قال: ما تقول يا إدريس؟ قال: أقول إن الله يقول: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ وَما الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور} [آل عمران: 185] ويقول: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} [مريم: 71] وقد وردتها وقال لأهل الجنة: {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 48] .
فوالله لا أخرج منها حتى يكون الله عز وجل هو الذي يخرجني.
قال: فسمع هاتفاً يقول: بإذني دخل وبإذني فعل فخل سبيله، فذلك قوله عز وجل: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} ""
أي الجنة؛ ويقال: ورفعناه في القدر والمنزلة، ويقال: ورفعناه في النبوة والعلم.