ثم قال له إدريس بعد ساعة: إن لي إليك حاجة أخرى.
قال: وما هي؟ قال: أن ترفعني إلى السماء فأنظر إلى الجنة والنار ؛ فأذن الله تعالى له في رفعه إلى السماوات ، فرأى النار فصعق ، فلما أفاق قال: أرني الجنة ؛ فأدخله الجنة ، ثم قال له ملك الموت: اخرج لتعود إلى مقرّك.
فتعلق بشجرة وقال: لا أخرج منها.
فبعث الله تعالى بينهما ملكاً حكماً ، فقال: ما لك لا تخرج؟ قال: لأن الله تعالى قال: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت} [آل عمران: 185] وأنا ذقته ، وقال: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [مريم: 71] وقد وردتها ؛ وقال: {وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 48] فكيف أخرج؟ قال الله تبارك وتعالى لملك الموت:"بإذني دخل الجنة وبأمري يخرج"فهو حي هنالك فذلك قوله تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} قال النحاس: قول إدريس:"وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ"يجوز أن يكون الله أعلم هذا إدريس ، ثم نزل القرآن به.
قال وهب بن منبه: فإدريس تارة يرتع في الجنة ، وتارة يعبد الله تعالى مع الملائكة في السماء.
{أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ}
فيه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين مِن ذُرِّيَّةِ ءادَمَ} يريد إدريس وحده.
{وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} يريد إبراهيم وحده.
{وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ} يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب.
{و} من ذرية {إِسْرَائِيلَ} موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى.
فكان لإدريس ونوح شرف القرب من آدم ، ولإبراهيم شرف القرب من نوح ولإسماعيل وإسحاق ويعقوب شرف القرب من إبراهيم.
{وَمِمَّنْ هَدَيْنَا} أي إلى الإسلام: {واجتبينآ} بالإيمان.
{إِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرحمن} .