وقال السدّي: إنه نام ذات يوم ، واشتدّ عليه حرّ الشمس ، فقام وهو منها في كرب ؛ فقال: اللهم خفف عن ملك الشمس حرها ، وأعنه على ثقلها ، فإنه يمارس ناراً حامية.
فأصبح ملك الشمس وقد نصب له كرسي من نور ، عنده سبعون ألف ملك عن يمينه ، ومثلها عن يساره يخدمونه ، ويتولون أمره وعمله من تحت حكمه ؛ فقال ملك الشمس: يا رب من أين لي هذا؟.
قال:"دعا لك رجل من بني آدم يقال له إدريس"ثم ذكر نحو حديث كعب.
قال فقال له ملك الشمس: أتريد حاجة؟ قال: نعم وددت أني لو رأيت الجنة.
قال: فرفعه على جناحه ، ثم طار به ، فبينما هو في السماء الرابعة التقى بملك الموت ينظر في السماء ، ينظر يميناً وشمالاً ، فسلم عليه ملك الشمس ، وقال: يا إدريس هذا ملك الموت فسلم عليه ؛ فقال ملك الموت: سبحان الله! ولأي معنى رفعته هاهنا؟ قال: رفعته لأريه الجنة.
قال: فإن الله تعالى أمرني أن أقبض روح إدريس في السماء الرابعة.
قلت: يا رب وأين إدريس من السماء الرابعة ، فنزلت فإذا هو معك ؛ فقبض روحه فرفعها إلى الجنة ، ودفنت الملائكة جثته في السماء الرابعة ، فذلك قوله تعالى:"ورفعناه مكاناً علِياً".
قال وهب بن منبه: كان يرفع لإدريس كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لأهل الأرض في زمانه ، فعجب منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت ، فاستأذن ربه في زيارته فأذن له ، فأتاه في صورة آدمي ، وكان إدريس عليه السلام يصوم النهار ؛ فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل.
ففعل به ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس ؛ وقال له: من أنت! قال: أنا ملك الموت ؛ استأذنت ربي أن أصحبك فأذن لي ؛ فقال: إن لي إليك حاجة.
قال: وما هي؟ قال: أن تقبض روحي.
فأوحى الله تعالى إليه أن اقبض روحه ؛ فقبضه وردّه الله إليه بعد ساعة ، وقال له ملك الموت: ما الفائدة في قبض روحك؟ قال: لأذوق كرب الموت فأكون له أشدّ استعداداً.