أحدها: أنه كان يصعد له من العمل مِثْلُ ما يصعد لجميع بني آدم ، فأحبَّه مَلَك الموت ، فاستأذن اللهَ في خُلَّته ، فأذن له ، فهبط إِليه في صورة آدمي ، وكان يصحبه فلما عرفه ، قال إِنِّي أسألك حاجة ، قال: ما هي؟ قال: تذيقني الموت ، فلعلِّي أعلم ما شدَّته فأكون له أشدّ استعداداً ؛ فأوحى الله إِليه أن اقبض روحه ساعةً ثم أَرْسِله ، ففعل ، ثم قال: كيف رأيتَ؟ قال: كان أشدَّ مما بلغني عنه ، وإِني أُحب أن تريَني النار ، قال: فحمله ، فأراه إِيّاها ؛ قال: إِني أُحِبُّ أن تريَني الجنة ، فأراه إِياها ، فلما دخلها وطاف فيها ، قال له ملك الموت: اخرج ، فقال: والله لا أخرج حتى يكون الله تعالى يُخرجني ؛ فبعث الله مَلَكاً فحكم بينهما ، فقال: ما تقول يا مَلَك الموت؟ فقصَّ عليه ما جرى ؛ فقال: ما تقول يا إِدريس؟ قال: إِن الله تعالى قال: {كُلُّ نَفْس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] ، وقد ذُقْتُه ، وقال: {وإِن منكم إِلا واردها} [مريم: 71] ، وقد وردتُها ، وقال لأهل الجنة: {وما هم منها بمُخْرَجِين} [الحجر: 48] ، فوالله لا أخرج حتى يكون الله يُخرجني ؛ فسمع هاتفاً من فوقه يقول: بإذني دخل ، وبأمري فعل ، فخلِّ سبيله ؛ هذا معنى ما رواه زيد بن أسلم مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن سأل سائل فقال: من أين لإِدريس هذه الآيات ، وهي في كتابنا؟! فقد ذكر ابن الأنباري عن بعض العلماء ، قال: كان الله تعالى قد أعلم إِدريس بما ذكر في القرآن من وجوب الورود ، وامتناع الخروج من الجنة ، وغير ذلك ، فقال ما قاله بعلم.