وقد يُوحي الشياطين بعضهم إلى بعض: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً} [الأنعام: 112] .
ويُوحون إلى أوليائهم: {وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: 121] لأن الشيطان لا يأتي الإنسان إلا بطريق خفيٍّ ، ووسوسة في خواطره .
أما الوحي الشرعي فهو إعلام من الله وحده إلى نبي يدَّعي النبوة ومعه معجزة ، إذن فالوحي: إعلام خفيّ من الله للرسول .
فقوله تعالى: {فأوحى إِلَيْهِمْ} [مريم: 11] أي: قال لهم بطريق الإشارة ؛ لأنه لا يتكلم {أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [مريم: 11] بُكرة: أول النهار ، وعَشياً: آخره ، يعني: طوِّقوا النهار بالتسبيح بداية ونهاية . وكأن زكريا عليه السلام قد بدتْ عليه علامات الفرح والإنبساط بالبُشْرى ، ورأى أن شُكْره لله وتسبيحه لا ينهض بهذه النعمة ، فأمر قومه أنْ يُسبِّحوا الله معه ، ويشكروه معه على هذه النعمة ؛ لأنها لا تخصُّه وحده ، بل هي عامة لكل القوم .
ثم يقول تعالى: {يا يحيى خُذِ الكتاب}
نلحظ أن الآية الكريمة انتقلتْ بنا نَقْلة واسعة ، وطوَتْ فترة طويلة من حياة يحيى عليه السلام فقد كان السياق يتحدث عنه وهو بُشْرى لوالده ، وهو ما يزال في بطن أمه جنيناً ، وفجأة يخاطبه وكأنه أصبح أمراً واقعاً: {يا يحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] فقد بلغ مبلغ النُّضْج ، وأصبح أهْلاً لحمْل مهمة الدعوة ، إذن: المسألة مأخوذة مأخَذ الجدِّ ، وهي حقيقة واقعة .
وقوله: {خُذِ الكتاب} [مريم: 12] أي: التوراة ، وفيها منهج الله الذي يُنظِّم لهم حركة حياتهم {بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] أي: بأخلاص في حِفْظه وحِرْص على العمل به ؛ لأن العلم السماوي والمنهج الإلهي الذي جاءكم في التوراة ليس المراد أن تعلمه فقط بل وتعمل به .