{يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) }
اعلم أولاً - أنا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكرشيء مع بعض صفاته وله صفات أخر مذكورة في وضع آخر ، فإنا نبينها. وقد مر فيه أمثلة كثيرة من ذلك ، وأكثرها في الموصوفات من أسماء الأجناس لا الأعلام ، وربما ذكرنا ذلك في صفات الأعلام كما هنا - فإذا علمت ذلك - فاعلم أنه تعلى ذكر في هذه الآية الكريمة بعض صفات يحيى ، وقد ذكر شيئاً ن صفاته أيضاً في غير هذا الموضع. وسنبين إن شار الله المراد بالمذكور منها هنا ، والمذكور في غير هذا الموضع.
اعلم أنه هنا وصفه بأنه قال له {يا يحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ} ووصفه بقوله {وَآتَيْنَاهُ الحكم} إلى قوله {وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} . فقوله {يا يحيى خُذِ الكتاب} مقول قول محذوف. أي وقلنا له يا يحيى خذ الكتاب بقوة. والكتاب: التوراة. أي خذ التوراة بقوة. أي بجد واجتهاد ، وذلك بتفهم المعنى أولاً حتى يفهمه على الوجه الصحيح ، ثم يعمل به من جميع الجهات ، فيعتقد عقائده ، ويحل حلاله ، ويحرم حرامه ، ويتأدب بآدابه ، ويتعظ بمواعظه ، إلى غير ذلك من جهات العمل به. وعامة المفسرين على أن المراد بالكتاب هنا: التوراة. وحكى غير واحد عليه الإجماع. وقيل: هو كتاب أنزل على يحيىن وقيل: هو اسم جنس يشمل الكتب المتقدمه. وقيل: هو صحف إبراهيم. والأظهر قول الجمهور: إنه التوراة كما قدمنا.