قُلْ: لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي، لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً أي قل أيها الرسول لهم: لو كتبت كلمات علم الله وحكمته، وكان ماء البحر حبرا للقلم الذي يكتب به، والقلم يكتب، لنفد البحر قبل أن يفرغ من كتابة ذلك، ولو جيء بمثل البحر آخر وآخر وهكذا لنفد أيضا، ولم تنفد كلمات الله. وهذا دليل على كثرة كلمات الله، وسعة علم الله وحكمته وأسراره، بحيث لا تضبطها الأقلام والكتب.
ونظير الآية قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ، ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان 31/ 27] .
وقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك: قُلْ: لَوْ كانَ الْبَحْرُ ... الآية، يقول: لو كانت تلك البحور مدادا لكلمات الله، والشجر كله أقلام، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره، ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما يقول، وفوق ما نقول، إن مثل نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة كجنة من خردل في خلال الأرض كلها.
وروي أن حييّ ين أخطب اليهودي قال: في كتابكم: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ثم تقرؤون: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا أي أنه يعترض بوجود التناقض، فنزلت هذه الآية، يعني أن ذلك خير كثير، ولكنه قطرة من بحر كلمات الله.
وبعد بيان كمال كلام الله، أمر تعالى محمدا صلّى الله عليه وآله وسلّم بالتواضع فقال: