الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ اللَّهُ لِزَكَرِيَّا مُجِيبًا لَهُ {قَالَ كَذَلِكَ}
يَقُولُ: هَكَذَا الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ مِنْ أَنَّ امْرَأَتَكَ عَاقِرٌ، وَإِنَّكَ قَدْ بَلَغْتَ مِنَ الْكِبَرِ الْعِتِيَّ، وَلَكِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: خَلْقُ مَا بَشَّرْتُكَ بِهِ مِنَ الْغُلَامِ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ أَنَّ اسْمَهُ يَحْيَى عَلَيَّ هَيِّنٌ، فَهُوَ إِذَنْ مِنْ قَوْلِهِ: {قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} كِنَايَةٌ عَنِ الْخَلْقِ
وَقَوْلُهُ: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَيْسَ خَلْقُ مَا وَعَدْتُكَ أَنْ أَهَبَهُ لَكَ مِنَ الْغُلَامِ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ أَمْرَهُ مِنْكَ مَعَ كِبَرِ سِنِّكَ، وَعُقْمِ زَوْجَتِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ خَلْقِكَ، فَإِنِّي قَدْ خَلَقْتُكَ، فَأَنْشَأْتُكَ بَشَرًا سَوِيًّا مِنْ قَبْلِ خَلْقِي مَا بَشَّرْتُكَ بِأَنِّي وَاهِبُهُ لَكَ مِنَ الْوَلَدِ، وَلَمْ تَكُ شَيْئًا، فَكَذَلِكَ أَخْلُقُ لَكَ الْوَلَدَ الَّذِي بَشَّرْتُكَ بِهِ مِنْ زَوْجَتِكَ الْعَاقِرِ، مَعَ عِتِيِّكَ وَوَهَنِ عِظَامِكَ، وَاشْتِعَالِ شَيْبِ رَأْسِكَ.
وَقَوْلُهُ: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ زَكَرِيَّا: يَا رَبِّ اجْعَلْ لِي عِلْمًا وَدَلِيلًا عَلَى مَا بَشَّرَتْنِي بِهِ مَلَائِكَتُكَ مِنْ هَذَا الْغُلَامِ عَنْ أَمْرِكَ وَرِسَالَتِكَ، لِيَطْمَئِنَّ إِلَى ذَلِكَ قَلْبِي [1] .
{قَالَ} اللَّهُ {آيَتُكَ} لِذَلِكَ {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: عَلَامَتُكَ لِذَلِكَ، وَدَلِيلُكَ عَلَيْهِ أَنْ لَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَأَنْتَ سَوِيُّ صَحِيحٌ، لَا عِلَّةَ بِكَ مِنْ خَرَسٍ وَلَا مَرَضٍ يَمْنَعُكَ مِنَ الْكَلَامِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اعْتُقِلَ لِسَانُهُ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ.
عَنْ قَتَادَةَ، {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ وَلَا خَرَسٍ، وَإِنَّمَا عُوقِبَ بِذَلِكَ [2] لِأَنَّهُ سَأَلَ آيَةً بَعْدَ مَا شَافَهَتْهُ الْمَلَائِكَةُ مُشَافَهَةً، أُخِذَ بِلِسَانِهِ حَتَّى مَا كَانَ يُفِيضُ الْكَلَامَ إِلَّا أَوْمَأَ إِيمَاءً.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَحُبِسَ لِسَانُهُ، فَكَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُكَلِّمَ أَحَدًا، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يُسَبِّحُ، وَيَقْرَأُ التَّوْرَاةَ وَيَقْرَأُ الْإِنْجِيلَ، فَإِذَا أَرَادَ كَلَامَ النَّاسِ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: السَّوِيُّ مِنْ صِفَةِ الْأَيَّامِ، قَالُوا: وَمَعْنَى الْكَلَامِ: قَالَ: آيَتُكَ أَلَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَتَابِعَاتٍ.
[1] إنما طلب الآية ليتعجل شكر النعمة، والله أعلم.
[2] التصريح بلفظ العقوبة في حق زكريا - عليه السلام - غير مستقيم وفيه إساءة أدب، والأولى مراعاة أعلى درجات الأدب مع أنبياء الله ورسله - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - ، والله أعلم.