تعظيم أنفس الطير؛ إذ لا شرف لأبيها سوى كونه أبًا لها وتعظيم أنفس الطير راجع إلَى
تعظيم اللحم؛ إذ لا شرف لها سوى أكله وتعظيم اللحم راجع إلَى تعظيم خالد أو لفظة
الأب مقحم فالقسم حِينَئِذٍ بالطير أو مضاف إلَى ياء المتكلم فيكون الطير حِينَئِذٍ مرفوعًا
على أنه فاعل فعل مقدر مفسر بما بعده أي وقعت الطير أو الْمُرَاد بأبي الطير نفس خالد
لوقوعها عليه مرارًا كما يقال أبو التراب فيكون القسم بخالد نفسه هذا إذا قرئ الأب بلا
ياء وفيه ضعف لعدم ملائمته بما بعده لقد وقعت عَلَى لحم، وَأَيْضًا مثل هذه يقال لمن
لازم الطير لا لمن لازمه الطير قوله (المرية) أي الواقعة الملازمة من آرب بالمكان إذا
أقام فيه ولازمه والباء في (بالضحى) بمعنى في متعلق بالمربة والتَّخْصِيص بالضحى وجهه
ظَاهر وكلمة عَلَى (في عَلَى خالد) متعلق بالمربة أَيْضًا بمعنى عَلَى لحم خالد كما قال
(لقد وقعت) جواب قسم بكسر التاء المثناة خطابًا للطير عَلَى أنه التفات وعلى تنزيلها
منزلة العقلاء وقد روي وقعن وعلقن أَيْضًا فلا التفات حِينَئِذٍ قوله (عَلَى لحم) أي نوع
لحم لا يعرف قدرة ولا يطلب مساواة مبلغه لعدم إمكان معرفته وهذا محل الاستشهاد
على كون تنكير هدى للتعظيم.
قوله: (وأكد تعظيمه) أي تعظيم الهدى المُسْتَفَاد من التنكير بالْإضَافَة إليه تَعَالَى حيث
قبل منْ رَبّهمْ عَلَى أنه (مِنْ) ابتدائية أي عَلَى هدى حاصلة منْ رَبّهمْ ومالكهم وما كان ابتداء
منه تَعَالَى لا يكون إلا عظيمًا فخيمًا؛ إذ عطاء العظيم عظيم فإذا أريد إظهار فخامة ذلك
الشيء أضيف إليه تَعَالَى وإن كان الكل من الله تَعَالَى [خلقا] فلا إشكال (بأن) الهدى لا يكون
إلا من (الله تَعَالَى) فما فَائدَة قوله: (منْ رَبّهمْ) والتَّعْبير بالرب للتنبيه عَلَى أن
الهدى من آثار التَّرْبيَة وتعبير المصنف باللَّفْظ الجليل لكونه مستجمعًا لجميع الصفات ولتربية
المهابة، وإنما قال (مانحه) أي معطيه من المنحة بمعنى العطية تنبيهًا عَلَى أنه تَعَالَى لا يجب
عليه اللطف والتوفيق، والْمُرَاد بالتوفيق هنا هُوَ اللطف الداعي إلَى أعمال الخير كما أن
العصمة هي اللطف المانع من أعمال الشر (والموفق له) .
قوله: (وقد أدغمت النون في الراء بغُنَّة) الغنة صوت يخرج من الخيشوم والنون أشد
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وأكد تعظيمه بأن الله مانحه أي معطيه وموليه معنى التَّأْكيد مُسْتَفَاد من وجعل منْ رَبّهمْ
صفة هدى أي هدى كائن منْ رَبّهمْ عَلَى أن (مِنْ) ابتدائية.
قوله: (وقد أدغمت النون في الراء بغُنَّة ولغير غنة وفي الكَشَّاف والنون منْ رَبّهمْ أدغمت بغُنَّة
وبغير غنة فالكسائي وحمزة ويزيد وورش في رواية والهاشمي عن ابن كثير لم يغنوها وقد أغنها
الباقون إلا أبا عمرو فقد روي عنه روايتان قال صاحب الكشف الذي ذكره الشيخ الشاطبي في
كلمته أن كل القراء أدغموا النون والتَّنْوين بلا بغُنَّة في اللام والراء ولذلك ذكره الشيخ ابن الحاجب
في شرح المفصل قال في بعض الشروح هذا الذي ذكرناه من ذهاب الغنة هُوَ الْمَشْهُور عند القراء
المأخوذ به عن أئمة أهل الأداء قال النحويون إظهار الغنة هنا في العربية جائز وقد روى الخياط في
كتابه الجامع إظهار الغنة عند اللام والراء عن نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر ناصًا عليه ولم