قيل لك: إن شخص الإنسان كنوع غيره ، إذ نور الفكر اعطى لآمال البشر وروحه وُسْعة وانبساطاً بدرجة وسِعَت الازمنة الثلاثة ، لو ابتلع الماضي والمستقبل مع الحال لم تمتلء آماله ؛ لأن نور الفكر صيّر ماهيته علوية ، وقيمته عمومية ، ونظره كلياً ، وكماله غير محصور ، ولذته دائمية ، وألمه مستمراً. اما فرد النوع الآخر فماهيته جزئية ، وقيمته شخصية ، ونظره محدود ، وكماله محصور ، ولذته آنية ، وألمه دفعيّ ، فوجود نوع قيامة فِي الأنواع ، كيف لايشير بالقيامة الشخصية العمومية للإنسان ؟
وأما البرهان السادس الملوّح: فهو عدم تناهي استعدادات البشر. نعم أن تصورات البشر وافكاره التي لاتتناهى ، المتولدة من آماله الغير المتناهية ، الحاصلة من
ميوله الغير المضبوطة ، الناشئة من قابلياته الغير المحدودة ، المستترة فِي استعداداته الغير المحصورة ، المزروعة فِي جوهر روحه الذي كرمه الله تعالى ؛ كل منها يشير فِي ماوراء الحشر الجسماني باصبع الشهادة إلى السعادة الأبدية وتمد نظرها إليه. فتأمل!
وأما البرهان السابع المبشر: فهو أن رحمة الرحمن الرحيم تبشر بقدوم أعظم الرحمة اعني السعادة الأبدية ؛ إذ بها تصير الرحمة رحمة ، والنعمة نعمة. وبها تخلص الكائنات من النياحات المرتفعة من المأتم العموميّ المتولد من الفراق الأبدي المصيّر للنعم نقماً. إذ لو لم يجئ روحُ النِعَم أعني السعادة الأبدية ، لتحول جميع النعم نقما ؛ وللزم المكابرة فِي إنكار الرحمة الثابتة بشهادة عموم الكائنات بالبداهة وبالضرورة..