ولقد وقع القول بأنَّ الأرواح ذواتٌ ومادَّة، وأنَّها يمكن مبارحتُها للنَّعيم أو مفارقتها العذاب الذي ألزمَه إيَّاها القاهِرُ فوق عباده، أوقع ذلك كثيرًا من الناس في الخرافات والأوهام، بل كان هذا من أقوى ما استخدَمَه شياطينُ الجنِّ والإنس في جرِّ جَمْهرة الناس - حين صدَّقُوا ذلك - إلى هاوية الشِّرْك والوثنيَّة بعبادة الموتى، واتِّخاذِهم وُسَطاء، ونِدائِهم، والاستغاثة بِهم؛ على زَعْم أنَّ أرواحهم تحضر عند الدُّعاء فتسمعه، وتجيب الداعي إلى طلَبِه، وتُسَارع إلى قضاء مأربه، وكلُّ ذلك مما قصد القرآنُ بالذَّات إلى إبطاله وتطهير العقول والقلوب منه، ونكتفي بذلك الآن ونُرْجِئ القول في بقية الآية إلى العدد القادم - إن شاء الله تعالى.
والحمد لله الذي عافانا وزكَّانا من التقليد الأعمى، وطهَّر أرواحَنا ونُفوسنا من هذه الخرافات والأوهام، ونسأله سبحانه ألاَّ يُزِيغ قلوبَنا بعد إذْ هدانا، وأن يَجْعلنا من المُتَّقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومِمَّا رزقَهم ينفقون، الذين يؤمنون بما أَنزل الله على رسوله وعلى إخوانِه الْمُرسَلين من قبْلِه، وبالآخرة هم يوقنون، وصلَّى الله على محمد عبْدِ الله ورسوله وعلى آله أجْمَعين.