يعني ربُّنا تعالى: أنَّ الإنسان كان أوَّلاً تُرابًا؛ قال تعالى:"كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ" [آل عمران: 59] وقال:"قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً" [الكهف: 37] ، وقال:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ" [الروم: 20] ، وقال:"وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا" [فاطر: 11] ، ثم تُرك ما شاء الله حتى امتزجَتْ ذرَّاته ببعضها أشدَّ الامتزاج، فكان طينًا لازبًا؛ أيْ: متماسكًا أشدَّ التَّماسُك وألزمه، ثم تطاول به الْمُكْث حتى أَنْتَن، ثم صوِّر وفصِّل، وصُبَّ في هذا القالب المستقيم، وبقي ما شاء الله حتى صار صلصالاً كالفخَّار، ثم نفخ الله فيه من روحه فكان إنسانًا، وقد مرَّ عليه في هذه الأطوار حينٌ من الدَّهر متطاوِلٌ لا يعلمه إلا الَّذي خلَقَه وصوَّره وسوَّاه في أحسن تقويم سبحانه، ثم كانت سُلالَتُه من ماء مَهِين، من نُطْفة مُصَفَّاة مستخلصة من الآباء والأمَّهات القُدامى إلى الإنسان الأوَّل، ومِن أَمْشاج وأخلاط ما يطعم مِمَّا يُخْرِجه الله من الأرض من زَرْع وثِمار وحيوان، ذلك تَقْدير العزيز العليم، فسُلالَتُه من جنس أصله الأوَّل: التُّراب، والطِّين اللاَّزب، والْحَمأ الْمَسنون، ثم هو بعد هذه يغفل ويتعامى عن نِعَمِ ربِّه، وينسى أصله، فيَجعل مِن نَفْسِه الضعيفة الضَّعْف الذاتِيَّ الْمُلازم، والفقيرة الفقر الذاتي الْمُلازم - خصمًا لربِّه العليِّ الكبير، القويِّ العزيز:"خَلَقَ الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ" [النحل: 4] "أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ" [يس: 78] ، وبغفلته هذه وجهالته وعماه عن نِعَم ربِّه وحكمته، ونسيانه لخلقه وبتدسيته لِنَفْسِه، وانسلاخه من آيات ربِّه كان ظهيرًا لعدوِّه على ربِّه:"وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا" [الفرقان: 55] ""