وقالت كتب الأثر: إنهم كانوا يُسمُّونه طاووس الملائكة مختالاً بطاعته ، وهو الذي وهبه الله الاختيار ، لأنه قدر على نفسه وحمل نفسه على طاعة ربه ، لذلك كان مجلسه مع الملائكة تكريماً له ؛ لأنه يجلس مع الأطهار ، لكنه ليس مَلاكاً .
وبعض العلماء صَنَّفوه بمُسْتوًى أعلى من الملائكة ؛ والبعض الآخر صَنَّفه بأنه أقلُّ من الملائكة ؛ لأنه من الجنِّ ؛ ولكن الأمر المُتفق عليه أنه لم يكُنْ ملاكاً بنصِّ القرآن ، وسواء أكان أعلى أم أَدْنى ، فقد كان عليه الالتزام بما يصدر من الحق سبحانه .
ونجد الحق سبحانه وهو يعرض هذه المسألة ، يقول مرة (أبىَ) ، ومرة (استكبر) ، ومرة يجمع بين الإباء والاستكبار .
والإباء يعني أنه يرفض أن ينفذ الأمر بدون تعال . والاستكبار هو التأبِّي بالكيفية ، وهنا كانت العقوبة تعليلاً لعملية الإباء والاستكبار ، وكيف ردّ أمر الحق أورده سبحانه مرة بقول إبليس: {... لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 33]
وقوله: {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [ص: 76]
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {قَالَ يا إبليس مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين}
وتقول"ما لك؟"في الشيء العجيب الذي تريد أن تعرف كيف وقع ، وكأن هذا تساؤلٌ عن أمر مخالف لِمَا اختاره إبليس ؛ الذي وهبه الله خاصية الاختيار ، وقد اختار أن يكون على الطاعة .
ولنلحظ أن المتكلم هنا هو الله ؛ وهو الذي يعلم أنه خلق إبليس بخاصية الاختيار ؛ فله أن يطيعَ ، وله أنْ يعصيَ . وهو سبحانه هنا يُوضِّح ما علمه أزلاً عن إبليس ؛ وشاء سبحانه إبراز هذا ليكون حجة على إبليس يوم القيامة .
ويتابع سبحانه: {قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ ...}