يعني أن عملية السجود قد حدثت بصورة مباشرة وحاسمة وسريعة ، وكان سجودهم هو طاعة للآمر الأعلى ؛ لا طاعة لآدم .
وقول الحق سبحانه: {فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30]
يعني الملائكة الأعلى من البشر ، ذلك أن هناك ملائكةً أعلى منهم ؛ وهم الملائكة المُهِيمون المتفرِّغون للتسبيح فقط .
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك:
{إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) }
وهكذا جاء الحديث هنا عن إبليس ؛ بالاستثناء وبالعقاب الذي نزل عليه ؛ فكأن الأمرَ قد شَمله ، وقد أخذتْ هذه المسألة جدلاً طويلاً بين العلماء .
وكان من الواجب أن يحكمَ هذا الجدلَ أمران:
الأمر الأول: أن النصَّ سيد الأحكام .
والأمر الثاني: أن شيئاً لا نصَّ فيه ؛ فنحن نأخذه بالقياس والالتزام . وإذا تعارض نصٌّ مع التزام ؛ فنحن نُؤول الالتزام إلى ما يُؤول النص .
وإذا كان إبليس قد عُوقِب ؛ فذلك لأنه استثنى من السجود امتناعاً وإباءً واستكباراً ؛ فهل هذا يعني أن إبليس من الملائكة؟
لا . ذلك أن هناك نصاً صريحاً يقول في الحق سبحانه: {فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ...} [الكهف: 50]
وهكذا حسم الحق سبحانه الأمر بأن إبليس ليس من الملائكة ؛ بل هو من الجنّ ؛ والجن جنس مختار كالإنس ؛ يمكن أن يُطيع ، ويمكن أن يَعصِي .
وكونه سَمِع الأمر بالسجود ؛ فمعنى ذلك أنه كان في نفس الحَضْرة للملائكة ؛ ومعنى هذا أنه كان من قبل ذلك قد التزم التزاماً يرفعه إلى مستوى الحضور مع الملائكة ؛ ذلك أنه مُخْتار يستطيع أن يطيع ، ويملك أن يعصي ، ولكن التزامه الذي اختاره جعله في صفوف الملائكة .