والذين قالوا: إن الحق سبحانه خلق الإنسان على صورته ، وأن الضمير يعود إلى الله ؛ فذلك لأن الحق قد جعل الإنسان خليفة له في الأرض ؛ وأعطاه من قدرته قدرةً ؛ ومن عِلْمه علماً ؛ ومن حكمته حكمة ، ومن قاهريته قهراً .
ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم:"تخلقوا بأخلاق الله".
فخلق آدم داخلٌ في كينونته . يقول الحق: {إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]
وأمام الكينونة ينتفي التعليل ، ولم يبق إلا الإيمان بالخالق .
ويقول سبحانه من بعد ذلك: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ ...}
والتسوية تعني جَعْل الشيء صالحاً للمهمة التي تُرَاد له . وشاء سبحانه أن يُسوِّيَ الإنسان في صورة تسمح لنفخ الروح فيه . والنفخ من روح الله لا يعني أن النفخ قد تَمَّ بدفع الحياة عن طريق الهواء في فَمِ آدم ، ولكن الأمر تمثيلٌ لانتشار الروح في جميع أجزاء الجسد .
وقد اختلف العلماء في تعريف الروح ، وأرى أنه من الأسلم عدم الخوض في ذلك الأمر ؛ لأن الحق سبحانه هو القائل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85]
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {فَسَجَدَ الملائكة ...}
وقد سجدوا جميعاً في حركة واحدة ؛ ذلك أنه لا اختيارَ لهم في تنفيذ ما يُؤمرون به ، فمن بَعْد أن خلق اللهُ آدمَ جاء تكريم الحق سبحانه له بقوله للملائكة: {اسجدوا لأَدَمَ ...} [طه: 116]
وسجدت الملائكة التي كلَّفها الله برعاية وتدبير هذا المخلوق الجديد ، وهم المُدبِّرات أمراً والحفظة ، ومَنْ لهم علاقة بهذا المخلوق الجديد .
وقوله الحق: {... فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29]