ونقول: إن ذلك كله حديث عن مراحل الخَلْق ، وهو سبحانه أعلم بمَنْ خلق ، كما خلق السماوات والأرض ، ولم يُشهِد الحق أحداً من الخلق كيف خلق المخلوقات: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً} [الكهف: 51]
ومن رحمته سبحانه أنه ترك في مُحسَّات الحياة وماديتها ما يُثبِت صِدْقه في غيبيّاته ؛ فإذا قال مرّة: إنه خلق كل شيء من الماء ؛ فهو صادق فيما قال ؛ لأن الماء يُكوِّن أغلبَ الجسد البشري على سبيل المثال .
وإذا أوضح أنه خلق الإنسان من طين ، فالتراب إذا اختلط بالماء صار طيناً ، وإذا مرّ على الطين وقتٌ صار صلصالاً ، وإذا قال: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29]
وكُلُّ هذا من الأمور الغيبية ؛ التي يشرحها لنا نقضُها في الواقع المادي الملموس ، فحين يحدث الموت وهو نَقْض الحياة نجد الروح هي أول ما يخرج من الجسم ؛ وكانت هي آخر ما دخل الجسم أثناء الخَلْق .
ومن بعد ذلك تبدأ الحيوية في الرحيل عن الجثمان ؛ فيتحول الجثمان إلى ما يشبه الصَّلْصال ؛ ثم يتبخّر الماء من الجثمان ؛ ليصير من بعد ذلك تراباً .
وهكذا نشهد في الموت نقض الحياة كيفية بَدْء مراحل الخَلْق وهي معكوسة ؛ فالماء أولاً ثم التراب ؛ ثم الطين ؛ ثم الصلصال الذي يشبه الحمأ المسنون ؛ ثم نَفْخ الروح .
وقد صدق الحق سبحانه حين أوضح لنا في النقيض المادي ، ما أبلغنا عنه في العالم الغيب .