وعمرو بن عبيد {والجآن} بالهمز وانتصابه بفعل يفسره {خلقناه} وهو هنا أقوى من الرفع للعطف على الجملة الفعلية {مِن قَبْلُ} أي من قبل خلق الإنسان ، قيل: ومن هنا يظهر جواز كون المراد بالمستقدمين أحد الثقلين وبالمستأخرين الآخر والخطاب بقوله تعالى: {مّنكُمْ} [الحجر: 24] للكل وهو بعيد غاية البعد.
{مِن نَّارِ السموم} أي الريح الحارة التي تقتل.
وروي ذلك عن ابن عباس ، وأكثر ما تهب في النهار وقد تهب ليلاً.
وسميت سموماً لأنها بلطفها تنفذ في مسام البدن ومنه السم القاتل ، ويقال: سم يومنا يسم إذا هبت فيه تلك الريح ، وقيل: السموم نار لا دخان لها ومنها تكون الصواعق ، وروى ذلك أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس فالإضافة من إضافة العام إلى الخاص ، وقيل: السموم إفراط الحر والإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة ، والمراد من النار المفرطة الحرارة ، وقد جاء في بعض الآثار ما يدل على أن النار التي خلق منها الجان أشد حرارة من النار المعروفة.
فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"رؤيا المسلم جزء من سبعين جزأً من النبوة وهذه النار جزء من سبعين جزأً من السموم التي خلق منها الجان وتلا عليه الصلاة والسلام الآية"واستشكل الخلق من النار بأنه كيف تخلق الحياة فيها وهي بسيطة ليست متركبة من أجزاء مختلفة الطبع والحياة كالمزاج لا تكون إلا في المركبات وقد اشترط الحكماء فيها البنية المركبة.
وأجيب بمنع ذلك لأنها إذا خلقت في المجردات كالملائكة على قول والعقول التي أثبتها الفلاسفة فبالطريق الأولى البسائط بل لا مانع أيضاً أن تخلق في الأجزاء الفردة خلافاً للمعتزلة حيث اشترطوا البينة المركبة.