ومدلول هذا النص المحكم: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم} يتجلى بوضوح أكثر كلما تقدم الإنسان في المعرفة ، وكلما اهتدى إلى أسرار تركيب هذا الكون وتكوينه.
ومدلول {خزائنه} يتجلى في صورة أقرب بعدما كشف الإنسان طبيعة العناصر التي يتألف منها الكون المادي ؛ وطبيعة تركيبها وتحليلها إلى حد ما وعرف مثلاً أن خزائن الماء الأساسية هي ذرات الايدروجين والأكسوجين! وأن من خزائن الرزق المتمثل في النبات الأخضر كله ذلك الآزوت الذي في الهواء! وذلك الكربون وذلك الأكسجين المركب في ثاني أكسيد الكربون! وتلك الأشعة التي ترسل بها الشمس أيضاً! ومثل هذا كثير يوضح دلالة خزائن الله التي توصل الإنسان إلى معرفة شيء منها.. وهو شيء على كثرته قليل قليل..
ومما يرسله الله بقدر معلوم الرياح والماء:
{وأرسلنا الرياح لواقح ، فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه. وما أنتم له بخازنين} ..
أرسلنا الرياح لواقح بالماء ، كما تلقح الناقة بالنتاج ؛ فانزلنا من السماء ماء مما حملت الرياح ، فأسقيناكموه فعشتم به:
{وما أنتم له بخازنين} ..
فما من خزائنكم جاء ، إنما جاء من خزائن الله ونزل منها بقدر معلوم.
والرياح تنطلق وفق نواميس كونية ، وتحمل الماء وفقاً لهذه النواميس ؛ وتسقط الماء كذلك بحسبها. ولكن من الذي قدر هذا كله من الأساس؟ لقد قدره الخالق ، ووضع الناموس الكلي الذي تنشأ عنه كل الظواهر:
{وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ، وما ننزله إلا بقدر معلوم} .