التحذير من تضييع الأيام
قال عبد الله بن المبارك في قوله تعالى: (وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا)
أي اعمل في الدنيا لآخرتك.
وقيل: من لعب في عمره ضيّع أيام حرثه وإذا ضيع أيام حرثه ندم عند حصاده.
وقال الحسن: ما وعظني شيء مثل ما وعظني كلام الحجّاج في خطبته: إن أمرأ ذهبت عنه ساعة من عمره في غير ما خلق له لحقيق أن تطول حسرته يوم القيامة.
وقال حكيم: الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما وقال رجل لداوود الطائي: ما ترى أن أتعلم الرمي؟ فقال: حسن ولكن إنما هي أيامك فافنها فيما شئت.
مرور الأوقات هادم للحياة
قال حكيم: من كان الليل والنهار مطيّته سارا به وإن لم يسر.
وقيل:
رأيت أخا الدنيا وإن كان خافضا ... أخا سفر يسعى به وهو لا يدري
وقيل: أنفاس المرء خطاه إلى أجله، وأمله خادعه عن عمله. لكلّ زمن فوت وفي كل طرفة موت. وقال:
ما ارتد طرف امرئ بلحظته ... إلا وشيء يموت من جسده
وقال أعرابي: كيف تفرح بعمر تقطعه بالساعات معرضا للآفات.
قال أبو العتاهية:
تظلّ تفرح بالأيام تقطعها ... وكلّ يوم مضى يدني من الأجل
وقيل لأعرابي: أنظر إلى الهلال، فقال: ما أصنع به محل دين ومقرب حين.
قال عبدة:
إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله ... كفى قاتلا سلخي الشهور وإهلالي
وقال:
إلا أنّ الفتى رهن ... بذي لونين خذاع
ومنه قول ابن قميئة:
رمتني صروف الدهر من حيث لا ترى ... فكيف بمن يرمي وليس برام
فلو أنّني لما رمتني رميتها ... ولكنّها ترمي بغير سهام
وقال:
فوّق الدهر إلينا نبله ... عللا يقصدنا بعد نهل
فهو رامينا ولا نبصره ... مثل رام رام صيدا فختل
البقاء في الدّنيا سبب الفناء
قال بعضهم: انصرفت من مجلس حمّاد الراوية فقال أبي ما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: لو لم يكسب ابن آدم إلا الصحة والسلامة لكفى بهما داء. فقال أبي: قاتل الله حميدا حيث قال:
أرى بصري قد رابني بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
وقال:
ودعوت ربّي بالسلامة جاهدا ... ليصحّني فإذا السلامة داء
وقال:
لو لم يوكل بالفتى ... إلا السلامة والنّعم
فتداولاه لا وشكا ... أن يسلماه إلى الهرم
قال معدي كرب:
أراني كلّما أبليت يوما ... أتاني بعده يوم جديد
يعود شبابه في كلّ فجر ... ويأبى لي شبابي ما يعود
وقال الصّلتان:
إذا ليلة هرمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتي
فرح الدّنيا مشوب بالترح ومعقب بالهموم