إن كثيرا من الكافرين تصورهم خاطئ عن الذات الإلهية وعن صفاته عزّ وجل، ونتيجة لذلك فهم يتصورون أن الوحي الذي ينزله الله ينبغي أن يكون على شكل معين كأن يكون خاليا عن التدخل في شئون البشر، أو كأن يكون فيه ترغيب فقط بلا ترهيب، ونتيجة لذلك فهم يتعجبون أن يكون هذا القرآن على هذه الشاكلة من التبشير
والإنذار، والوعظ والترغيب والترهيب، وقد عبر عن هذا المعنى عرب الجاهلية بسذاجتهم فطالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بقرآن ليس فيه ما يغيظهم من ذم عبادة الأوثان، والوعيد لأهل الطغيان، وأن يبدله بأن يجعل مكان آية عذاب آية رحمة، وعبر عن هذا المعنى كثير من الفلاسفة بشكل أو بآخر، فاستبعدوا أن يكون هذا القرآن من عند الله، لأنهم يتصورون أن الله إذا أنزل وحيا فينبغي أن يكون على شاكلة أخرى، كأن لا تظهر فيه صفات الجلال، وهؤلاء في منتهى السفاهة. فقد جعل الله في هذا القرآن من الآيات والمعجزات ما لا يستطيع المنصف إلا أن يسلم بأنه من عند الله وقد جعل الله في شخصية رسوله صلى الله عليه وسلم من الأمور ما لا
يبقى معه شك أن هذا القرآن من عند الله. وبهذا يتبين لنا أن هذه المجموعة سائرة على نفس النسق في تحطيم العجب من أن يرسل الله رسولا.
فوائد:
1 -الملاحظ من قوله تعالى قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا ... أن الذين يتعنتون في مواقفهم إنما هم الذين لا يعرفون إلا الحياة الدنيا، وليس عندهم رجاء لليوم الآخر أصلا. فداء الأدواء إذن هذه العلة. ومن ثم كان من واجب الدعاة تحريك همة الإنسان، وتحريك عقله لرجاء اليوم الآخر.