ثم اختلفوا في أنهم كيف قالوا في الأصنام إنها شفعاؤنا عند الله ؟ وذكروا فيه أقوالاً كثيرة: فأحدها: أنهم اعتقدوا أن المتولي لكل أقليم من أقاليم العالم ، روح معين من أرواح عالم الأفلاك ، فعينوا لذلك الروح صنماً معيناً واشتغلوا بعبادة ذلك الصنم ، ومقصودهم عبادة ذلك الروح ، ثم اعتقدوا أن ذلك الروح يكون عبداً للإله الأعظم ومشتغلاً بعبوديته.
وثانيها: أنهم كانوا يعبدون الكواكب وزعموا أن الكواكب هي التي لها أهلية عبودية الله تعالى ، ثم لما رأوا أن الكواكب تطلع وتغرب وضعوا لها أصناماً معينة واشتغلوا بعبادتها ، ومقصودهم توجيه العبادة إلى الكواكب.
وثالثها: أنهم وضعوا طلسمات معينة على تلك الأصنام والأوثان ، ثم تقربوا إليها كما يفعله أصحاب الطلسمات.
ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم ، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل ، فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى ، ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر ، على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله.
وخامسها: أنهم اعتقدوا أن الإله نور عظيم ، وأن الملائكة أنوار فوضعوا على صورة الإله الأكبر الصنم الأكبر ، وعلى صورة الملائكة صوراً أخرى.
وسادسها: لعل القوم حلولية ، وجوزوا حلول الإله في بعض الأجسام العالية الشريفة.
واعلم أن كل هذه الوجوه باطلة بالدليل الذي ذكره الله تعالى وهو قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} وتقريره ما ذكرناه من الوجوه الثلاثة.
قوله تعالى: {قُلْ أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى السماوات وَلاَ فِى الأرض سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} .