وبذلك تكون الآية الكريمة قد وبخت المشركين على عبادتهم لغير الله وعلى جهالاتهم وتقولهم على الله بغير علم.
(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا ...(22)
وقوله: {بهم} فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، لأنه كان الظاهر أن يقال: حتى إذا كنتم وفي الفلك وجرين بكم لكن جاء الكلام على أسلوب الالتفات للمبالغة في تقبيح أحوالهم، وسوء صنيعهم.
قال صاحب الكشاف""
«فإن قلت» : ما فائدة صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة؟
قلت: المبالغة، كأنه لغيرهم حالهم ليعجبهم منها، ويستدعي منهم الإِنكار والتقبيح.
(قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ(34)
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : كيف قيل لهم هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده، وهم غير معترفين بالإِعادة؟
قلت: قد وضعت إعادة الخلق لظهور برهانها موضع ما إن دفعه دافع كان مكابرا رادا الظاهر البين الذي لا مدخل للشبهة فيه، ودلالة على أهم في إنكارهم لها منكرون أمرا مسلما معترفا بصحته عند العقلاء."وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ} فأمره بأن ينوب عنهم في الجواب. يعني أنه لا يدعهم لجاجهم ومكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق فتكلم أنت عنهم."
«فإن قلت» : فما معنى التوقع في قوله: {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} ؟
قلت: معناه أنهم كذبوه به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل، تقليدا للآباء، وكذبوه بعد التدبر تمردا، وعنادا فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم.
ويجوز أن يكون معنى {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإِخبار بالغيوب، يعني أنه كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه، ومن جهة ما فيه من الإِخبار بالغيوب، فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإِعجاز، وقبل أن يخبروا إخباره بالمغيبات وصدقه وكذبه.