وقد صحَّ أن القلم جفَّ حتى في الأمور الاختيارية ، وسبحانه يعلم ما تجري به الأمور القهرية وما يقضيه على خلقه بدون اختيار منهم ، أما في الأمور الاختيارية فقد أعطى لخلقه الاختيار . وقد علم ما سوف يفعلونه غيباً ؛ فصمم المسألة على وفق ما علم .
وإياك أن تظن أنه أراد بذلك أن يُلزمك ، لا ، فقد علم أنك ستختار . وهكذا علم الحق سبحانه من سيظلم نفسه - أزلاً - وسبق في علمه أن أهل القرون السابقة الذين أهلكهم لا يؤمنون .
{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} والظلم معناه نقل الحق من صاحبه إلى غيره ، والحقوق الموهوبة من الخالق للبشر قد يظلمون فيها بعضهم البعض ، لكن أعلى درجات الظلم حين يظلم أحدٌ حقَّ الإله الأعلى في أن يكون إلهاً واحداً ، وأن ينقل ذلك لغيره . تلك هي قمة الظلم ؛ لذلك قال سبحانه: {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .
وهم قد ظلموا في قضية العقيدة الأولى ، أو ظلموا في الحقوق بينهم وبين أنفسهم مصداقاً لقوله تعالى: {ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44] .
والواحد منهم ظالم ومظلوم في آن واحد ؛ لأن الإنسان ملكاته متعددة ، ومن هذه الملكات ملكة الإيمان الفطري ، وملكة النفع العاجل الذاتي .
فإذا تغلبت ملكة النفع العاجل ؛ تخرج النفس اللوَّامة ؛ لتعيد الأمر إلى صوابه ، أما إن كانت نفس تأمر بالسوء فهي تطلب تحقيق الشهوات فقط ؛ لأنها نفس أمَّارة بالسوء . أما إن اطمأنت النفس إلى حكم الله تعالى ورضيت به ونفذت ما قاله الله سبحانه ، فهي نفس مطمئنة . ومن يظلم نفسه فهو الذي يتبع شهوات نفسه ، وهو قد أعطاها متعة عاجلة ؛ ليستقبل بعد ذلك شقاءً آجلاً ؛ فيكون قد ظلم نفسه .