فإن الأصل فيه كأنه فخفف كأن وحذف ضمير الشأن ، لكن صرح ابن هشام في شواهده أن ذلك غير متعين إذ يجوز كون الضمير للوجه أو للصدر على رواية وصدر وروي كأن ثدييه على إعمال كأن في اسم مذكور ولا يبعد أن يجوز ذلك في الرواية الأولى على بعض اللغات ، والجملة التشبيهية في موضع الحال من فاعل {مَرَّ} أي مر مشبهاً بمن لم يدعنا {إلى ضُرّ} أي إلى كشفه لأنه المدعو إليه ، وقيل: لا حاجة إلى التقدير ، وإلى بمعنى اللام أي لضر {مَسَّهُ} والظاهر أن هذا وصف لجنس الإنسان مطلقاً أو الكافر منه باعتبار حال بعض الأفراد ممن هو متصف بهذه الصفات.
وذكر الشهاب أن للمفسرين في المراد بالإنسان هنا ثلاثة أقوال فقيل: الجنس وقيل: الكافر وقيل: شخص معين وعليه لا حاجة إلى الاعتبار لكن لا اعتبار له {كذلك} أي مثل ذلك التزيين العجيب {زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ} أي للموصوفين بما ذكر من الصفات الذميمة {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الإعراض عن الذكر والدعاء والانهماك في الشهوات ، والإسراف مجاوزة الحد وسموا أولئك مسرفين لما أن الله تعالى إنما أعطاهم القوى والمشاعر ليصرفوها إلى مصارفها ويستعملوها فيما خلقت له من العلوم والأعمال الصالحة وهم قد صرفوها إلى ما لا ينبغي مع أنها رأس مالهم ، وفاعل التزيين إما مالك الملك جل شأنه وإما الشيطان عليه اللعنة وقد مر تحقيق ذلك وكذلك فتذكر.
وتعلق الآية الكريمة بما قبلها قيل من حيث أن في كل منهما إملاء للكفرة على طريقة الاستدراج بعد الإنقاذ من الشر المقرر في الأولى ومن الضر المقرر في الأخرى.
وذكر الإمام في وجه الانتظام مع الآية الأولى وجهين.
الأول: أنه تعالى بين في الأولى أنه لو أنزل العذاب على العبد في الدنيا لهلك وأكد ذلك في هذه الآية حيث دلت على غاية ضعفه ونهاية عجزه.