واعترض أحد السامعين للرؤيا متسائلاً: ألم يفعل ابن الخطاب أعمالاً تؤهله لمغفرة الله إلا مسألة العصفور هذه؟ فقال له قائل: أحسن الفهم يا رجل ؛ فمسألة إطلاق العصفور إنما تخص غفر الخطايا ، وأما أعمال عمر بن الخطاب الجليلة فهي لرفع الدرجات .
وفي القرآن آيتان جاءتا بنص متقارب ، فالحق يقول: {واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ...} [البقرة: 48]
والآية الثانية تقول: {واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ ...} [البقرة: 123]
ومن حاولوا المقارنة بين الآيتين بغرض الطعن في القرآن ، هم من الغرباء عن اللغة ولا يملكون ملكة البيان التي يمكن أن يستقبلوا الأساليب بها ، ولو امتلكوا هذه الملكة لعلموا أن الصدر في الآيتين محتمل لوجهين ، فهناك نفس جازية هي التي تتشفع ونفس مجزيٌّ عنها هي التي يُتشفع لها .
والضمير الذي يأتي في قوله الحق: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا} و {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا} و {وَلاَ تَنفَعُهَا} ، هذا الضمير يصح أن يرجع إلى النفس الشافعة ، ويصح أن يرجع إلى النفس المشفوع لها . والإنسان منا إذا ما كان عليه شيء لإنسان آخر ، وغير قادر على أن يستبرئ ذمته منه ، فهو يلجأ إلى صديق لهذا الآخر ، له مكانة عنده ليستشفع له . وفور أن يذهب صاحب المكانة إلى هذا الآخر فهو يقول له: هل تقبل شفاعتي لفلان؟ فإن قال صاحب الأمر: لن أقبل الشفاعة ، فالمستشفع عنده يقول له: إذن: سأدفع العدل ، أي: ما يساوي قيمة ما كنت سأتشفع له فيه .
وهكذا نجد أنفسنا أمام نفسين: شافعة ، ومشفوع لها . والضمير يعود على أي من النفسين .
وهكذا نجد أن صدر كل آية من الآيتين اللتين يقال عنهما: إنهما متشابهتان ، صدر كل منهما منسجم مع عجزها .