والإتيان في صدرها باسم الإشارة لتمييزه أكمل تمييز ، لأنهم امتروا في صفة الإلهية وضلوا فيها ضلالاً مبيناً ، فكانوا أحرياء بالإيقاظ بطريق اسم الإشارة ، وللتنبيه على أن المشار إليه حقيق بما سيذكر بعد اسم الإشارة من حيث إنه اتصف بتلك الأوصاف التي أشير إليه من أجلها ، فإن خالق العوالم بغاية الإتقان والمقدرة ومالك أمرها ومدبر شؤونها والمتصرفَ المطلق مستحقٌ للعبادة نظير الإشارة في قوله: {أولئك على هدى من ربهم} [البقرة: 5] بعد قوله: {للمتقين الذين يؤمنون بالغيب إلى قوله: هم يوقنون} [البقرة: 2 4] .
وفُرّع على كونه ربهم أن أمروا بعبادته ، والمفرَّعُ هو المقصود من الجملة وما قبله مؤكد لجملة: {إن ربكم الله} تأكيداً بفذلكة وتحصيل.
والتقديرُ: إن ربكم الله إلى قوله: {فاعبدوه} ، كقوله: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحُوا} [يونس: 58] إذ وقع قوله (فبذلك) تأكيداً لجملة بفضل الله وبرحمته.
وأوقع بعده الفرع وهو (فليفرحوا) .
والتقدير: قل بفضل الله وبرحمته فليفرحوا بذلك.
والمقصود من العبادة العبادة الحق التي لا يشرك معه فيها غيره ، بقرينة تفريع الأمر بها على الصفات المنفرد بها الله دون معبوداتهم.
وجملة: {أفلا تذَّكَّرون} ابتدائية للتقريع.
وهو غرض جديد ، فلذلك لم تعطف ، فالاستفهام إنكار لانتفاء تذكرهم إذْ أشركوا معه غيره ولم يتذكروا في أنه المنفرد بخلق العوالم وبملكها وبتدبير أحوالها.
والتذكُّر: التأمل.
وهو بهذه الصيغة لا يطلق إلا على ذكر العقل لمعقولاته ، أي حركته في معلوماته ، فهو قريب من التفكر ؛ إلا أن التذكر لما كان مشتقاً من مادة الذكر التي هي في الأصل جريَان اللفظ على اللسان ، والتي يعبر بها أيضاً عن خطور المعلوم في الذهن بعد سهوه وغيبته عنه كان مشعراً بأنه حركة الذهن في معلومات متقررة فيه من قبل.