وهنا ملحظية لحظها العلماء رضي الله عنهم ، وهو أن المال إذا كان فيه حق معلوم للسائل والمحروم ، فلا يصح أن ينسب الإنسان المال كله لنفسه ؛ لأن له شركاء فيه هما السائل والمحروم ، فالمال - إذن - ملكية صاحبه باستثناء حق السائل والمحروم .
وفي آية أخرى قال الحق: {والذين في أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ والمحروم} [المعارج: 24 - 25]
و"الحق المعلوم"هو الزكاة المفترضة من نصاب معلوم بقدر معلوم ، وأما الأمر الثاني فهو حق أيضاً ، ولكن الذي يوجبه ويحدده هو صاحب المال على نفسه ، وهو التطوع ، ولذلك لم يقل: حق معلوم كما في سورة الذاريات: {إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ * وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم} [الذاريات: 15 - 19]
لقد ذكر سبحانه هنا الحق ولم يقل إنه معلوم ؛ لأن صاحب المال داخل في مقام الإحسان ، وهو المقام الذي يلزم الإنسان فيه نفسه بشيء فوق ما فرض الله من جنس ما فرض الله . والله سبحانه لم يفرض على الإنسان أن يقوم الليل كله ، أو يظل الليل يستغفر ، بل إن المسلم له أن يصلي العشاء وينام ، ثم يقوم لصلاة الفجر . لكن إن وجد في نفسه نشاطاً ، فهو يقوم الليل ؛ لأنه يريد أن يدخل في مرتبة الإحسان .
وكذلك يؤدي المسلم الزكاة وهذا حق معلوم ، أما إن رغب المسلم في أن يدخل في مقام الإحسان فهو يزيد على الزكاة ، وقد جعل الله هذا حقّاً لكنه غير معلوم ؛ ليفسح لأريحيات الكرام أن يتجاوزوا الحق المعلوم ، فبدلاً من اثنين ونصف بالمائة ، قد يجعلها الداخل إلى مقام الإحسان ضعف ذلك أو أكثر .