فبيّن أن العلة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول لهم ، وإن بلغ سبعين مرة ، هي كفرهم وفسقهم.
وهذا المعنى قائم في الزيادة على السبعين ، فصار هذا القليل شاهداً بأن المراد إزالة الطمع أن ينفعهم استغفار الرسول مع إصرارهم على كفرهم ، ويؤكد: والله لا يهدي القوم الفاسقين.
والمعنى: أنّ فسقهم مانع من الهداية ، فثبت أنّ الحق ما ذكرناه.
وقال الأزهري في جماعة من أهل اللغة: السبعون هنا جمع السبعة المستعملة للكثرة ، لا السبعة التي فوق الستة انتهى.
والعرب تستكثر في الآحاد بالسبعة ، وفي العشرات بالسبعين ، وفي المئين بسبعمائة.
قال الزمخشري: والسبعون جار مجرى المثل في كلامهم للتكثير.
قال عليّ رضي الله تعالى عنه:
لأصبحن العاص وابن العاصي ...
سبعين ألفاً عاقدي النواصي
قال ابن عطية: وأما تمثيله بالسبعين دون غيرها من الأعداد فلأنه عدد كثيراً ما يجيء غاية ومقنعاً في الكثرة.
ألا ترى إلى القوم الذين اختارهم موسى ، وإلى أصحاب العقبة؟ وقد قال بعض اللغويين: إنّ التصريف الذي يكون من السين والباء والعين شديد الأمر من ذلك السبعة ، فإنها عدد مقنع هي في السماوات وفي الأرض ، وفي خلق الإنسان ، وفي بدنه ، وفي أعضائه التي بها يطيع الله ، وبها يعصيه ، وبها ترتيب أبواب جهنم فيما ذكر بعض الناس ، وهي: عيناه ، وأذناه ، وأسنانه ، وبطنه ، وفرجه ، ويداه ، ورجلاه.
وفي سهام الميسر ، وفي الأقاليم ، وغير ذلك ومن ذلك السبع العبوس ، والعنبس ، ونحو هذا من القول انتهى واستدل القائلون بدليل الخطاب وأنّ التخصيص بالعدد يدل على أنّ الحكم فيما وراء ذلك بخلافه بما روى أنه قال:"والله لأزيدن على السبعين"ولم ينصرف حتى نزل: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم} فكف عنه.