(فإن قلت) : كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال: لن يتقبل؟ (قلت) : هو أمر في معنى الخبر كقوله: {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدًّا} ومعناه: لن يتقبل منكم أنفقتم طوعاً أو كرهاً ، ونحوه قوله: أستغفر لهم أو لا تستغفر لهم ، وقوله:
أسيء بنا أو أحسبني لا ملومة ...
أي: لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أو لا تستغفر لهم ، ولا نلومك أحسنت إلينا أو أسأت.
فإن قيل: متى يجوز نحو هذا؟ قلت: إذا دل الكلام عليه كما كان في قولك: غفر الله لزيد ورحمه.
(فإن قلت) : لم فعل ذلك؟ (قلت) : لنكتة وهي أنّ كثيراً كأنه يقول لعزة: امتحني لطف محلك عندي ، وقوة محبتي لك ، وعامليني بالإساءة والإحْسان ، وانظري هل تتفاوت حالي معك مسيئة كنت أو محسنة.
وفي معناه قول القائل:
أحول الذي إن قمت بالسيف عامداً ...
لتضربه لم يستغشك في الودّ
وكذلك المعنى أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم ، واستغفر لهم أو لا تستغفر لهم.
وانظر هل ترى خلافاً بين حالي الاستغفار وتركه؟ انتهى.
وقيل: هو أمر مبالغة في الإياس ومعناه: إنك لو طلبت الاستغفار لهم طلب المأمور ، أو تركته ترك المنهى عنه ، لم يغفر لهم.
وقيل: معناه الاستواء أي: استغفارك لهم وترك الاستغفار سواء.
(فإن قلت) : كيف جاز أن يستغفر لهم وقد أخبر أنهم كفروا؟ فالجواب قالوا من وجوه: أحدها: أن ذلك كان على سبيل التأليف ليخلص إيمان كثير منهم.
وقد روي أنه لما استغفر لابن سلول وكساه ثوبه ، وصلى عليه ، أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب الرسول ، وكان رأس المنافقين وسيدهم.
وقيل: فعل ذلك تطييباً لقلب ولده ومن أسلم منهم ، وهذا قريب مما قبله.